الوالدان جمعة الكندي وزكريا العصار يحلقان في «فلايِنج كَب»

«مقيظ» الألفية.. وجهات مبتكرة بنكهة عالمية تلفت أنظار العالم لدبي

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخلاصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

 

موسم المقيظ يحتل مكانة مهمة في نفوس المواطنين في دولة الإمارات والخليج، فهو بمثابة المصيف الترفيهي للتواصل والتعارف بين أهلي الساحل والمناطق الصحراوية والجبلية وفقاً للوالد جمعة الكندي الذي أكد خلال زيارته بصحبة الوالد زكريا العصار إلى منطاد «فلايِنج كَب» في وجهة «ذا بييتش»، بمنطقة جي بي آر، متابعاً أن المقيظ كان كذلك موسماً صاخباً، لجني التمور وتخزينها كإحدى أهم فعالياته المحركة لمختلف الأحداث والذكريات التي لا تنسى والحاضرة بقوة كلما التقينا للحديث في إحدى الوجهات العصرية اليوم في دولة الإمارات التي باتت بمثابة «مقيظ الألفية»، والتي يتزاحم عليها أهل البلاد والسائحون حول العالم.

حيل صيفية

يضحك الوالد زكريا بصوت عال حين يذكر الوالد جمعة قول الشاعر «في الجيمي مستجيمي وفي المعترض له بيت، تابع سكيك الجيمي يا حيّ من لاقيــت» فما نراه اليوم من تنوع الأماكن والوجهات التي تحمل بين طياتها أحدث الأفكار المبتكرة لمنظومة صناعة الترفيه محلياً كان بمثابة حلم ليلة صيف بعيد المنال، تعيد الرؤى لما كان عليه المقيظ في الماضي من تغير مكان الإقامة صيفاً كنوع من الاحتيال على حره اللافح برحلة سنوية يقوم بها سكان الساحل إلى المزارع عبر الصحارى، وتسلق قمم الجبال العالية، والمشي وسط الأودية السحيقة الوافرة الظلال، والتي تختزل عبر مساحاتها الشاسعة نسمات هواء باردة، حيث تسكن الأبدان المرهقة ويصفو البال العليل، وتجدد النشاط مع أول حبة رطب في ظلال النخيل.

360 درجة

ويقاطعه الوالد زكريا قائلاً: مقيظك اليوم بدبي هل تخيلت يوماً ما أننا سنتشارك في رحلة ارتفاع مبنى مكون من ١٢ طابقاً؟ لتحظى بإطلالات بانوراميه شاملة ٣٦٠ درجة تعكس أجواء ذا بيتش، جي بي آر، عين دبي، ونخلة جميرا. هل جلبت هاتفك المحمول؟ تعال معي أرجوك لا تمشِ ببطء، عهدتك رياضيا، سوف نصعد إلى منصة ونربط الأحزمة لنحلق إلى عنان السماء، لا تنس التقاط صور «سيلفي» مع خلفية تتألق فيها أروع المناظر في المدينة.

ضفاف الساحل

وفي أثناء ذلك الحماس والطاقات المفعمة بالحيوية التي يبثها الوالد زكريا في أرجاء المكان جعلت كل من حوله يبتسم ويرفع يديه له بالسلام، كان يحلق الوالد جمعة في عالم آخر من ذكريات طفولته، تدور في فلك نسائم ليالي السمر في قلب حقول النخيل على ضفاف الساحل، حيث الهواء البارد المنعش والطقس المعتدل والماء العذب وثمار الفواكه اليانعة كالرطب والمانجو والتين، تستحضر شخوص من رحلوا عن الدنيا من عائلته والجيران، الجميع على ارتباط وثيق وتواصل دائم.

ويوضح الوالد جمعة: كانت تتزامن تلك الرحلة مع موسم الغوص، والتي تمتد خلال أشهر الصيف بداية بيونيو ونهاية أغسطس، ومع بداية موسم الغوص والصيد، تشرع السفن لتمخر عباب الخليج بحثاً عن القماش واللؤلؤ وهناك على الضفة المقابلة من الساحل، تستعد النساء لتجهيز رحلة المقيظ لعلها تؤنس وحدتهن في غياب من رحلوا بحثاً عن الرزق، فيسرعن إلى مؤجر النوق والإبل والذي كان يعرف بــ«الكرى» ويتم بالاتفاق معه على تحديد موعد انطلاق الرحلة ومسارها المحدد وعدد الأحمال التي يتوجب الالتزام بها من متاع ومأكل ومشرب واحتياجات لا يمكن إغفالها، وفي العادة تنطلق معظم رحلات المقيظ في الصباح الباكر لتجنب حرارة الصيف ولهيب الشمس الحارقة، وبقدر المستطاع تسلك القوافل ممرات الصحارى الأقل خطورة والأقرب إلى الواحات والمزارع العامرة بأشجار النخيل والليمون والمانجو المخضبة بعبق أشجار السفرجل والليمون.

طقوس الترحال

ويعلق الوالد زكريا بعد هبوطهما من رحلة المنطاد الذي يتصاعد إلى السماء ويهبط أيضا بنفس الدرجة من الهدوء الذي لا يشعرك بالخوف أو القلق: فصول السنة وطقوسها حكايات خاصة لدى كل الشعوب، وترتبط في الإمارات بتأثيرات كل فصل في البيئة المحلية، فأطلق على الخريف الأصفري، والربيع الصيف، والصيف القيظ.

وارتبطت بكل فصل ذكريات وعادات اجتماعية خاصة، لا سيما القيظ المتزامن مع موسم الرطب، حيث يقال قاظت النخيل، أي بشّرت ببدء موسم الرطب الذي كان يشكل نقلة كبيرة في حياة الإماراتيين سابقاً، حيث الترحال إلى المقيظ في أماكن الزراعة والواحات لتمضية ذلك الفصل فيه، وجني الرطب وتخزين التمور.

ويوضح الوالد زكريا أن رحلات المقيظ تكون على شكلين، فبالنسبة إلى أهالي المناطق البرية كانوا ينتقلون إلى الواحات ومناطق انتشار أشجار النخيل القريبة من أماكن سكنهم، وأهالي المناطق الساحلية كانوا يقومون برحلات أطول لبعدهم عن تلك المناطق، وكانت تسمى عملية انتقالهم «بالحِضَارة» أو المقيظ، وارتبط المقيظ برحلات الغوص البحرية، للرجال، أما النساء والعجائز والأطفال فقد كانوا يتوجهون لمناطق المقيظ، حيث الزراعة والظلال والمياه العذبة وموسم جني الرطب والتمر.

سياحة داخلية

ويتابع الوالد زكريا: اليوم أهل الإمارات ما زالوا يعشقون الترحال والسفر أثناء موسم الحر إلى مختلف مناطق العالم، لتغيير الجو وتعلم اللغات والحرف، ومن جانب آخر تعد دبي واحدة من أكثر الوجهات السياحية شهرة في العالم، فهذه المدينة المدهشة التي لا تتوقف عن الازدهار، وعن إدهاشنا يوماً بعد يوم، وأعادت تجميع مواردها السياحية بنجاح، بالأنشطة الجاذبة للمقيمين والزائرين خاصة في موسم الصيف الذي تبدلت ملامحه ودخلت قلب الحدث والمعاصرة من أوسع أبوابه مع حفاظها على أصالة التجارب الإماراتية لتعزيز الإنجازات الحضارية والثقافية المحلية، لجذب المواطنين والمقيمين أيضا وليس السائحين فقط، نحو المدن الداخلية والساحلية المرتبطة بالمواقع التراثية والأثرية، والأنشطة الترفيهية كالغوص والألعاب المائية ومعرفة كل ذلك يعتبر جزءاً مهماً من الثقافة الوطنية، وبالتالي تأكيد الانتماء للوطن والفخر بإنجازاته.

تطبيق تفاعلي

من ابتكارات التكنولوجيا التي حازت اهتمامي ما قرأته في إحدى الصحف المحلية عن تعاون طالبتين من جامعة الإمارات، في إنجاز تطبيق لعبة باسم «المقيظ» والتي استغرقت عاماً لإنجازها. وسعت الطالبتان المبتكرتان لتطويرها بحيث تتضمن البيئات الساحلية والزراعية والجبلية في تاريخ الإمارات، عن الحياة المعيشة في مجتمع الإمارات في الستينات، بحيث دمجتا فكرة التعليم والمتعة والاكتشاف، في معالجة مواضيع تراثية بشكل عصري مسل وهادف.

وتدور أحداثها في قرية تراثية إماراتية، وفي اللعبة بإمكانك التجول في القرية بأجزاء متنوعة، والدخول للخيم، والذهاب للصيد وللقنص، وغير ذلك الكثير، وخلالها تجد أسئلة ومحاولة شرح للأشكال الموجودة والأدوات والغرض منها، وغيرها من قصص تراثية، ناهيك عن تعلم الكثير حول الحياة في تلك الفترة، والتاريخ ومتعة استكشاف التراث بطريقة مبتكرة وعصرية، حيث يستطيع اللاعب كذلك التعرف على صناعة اللبن والسقيا وغيرها، بالإضافة للمصطلحات القديمة المستخدمة ودلالاتها، فهذا التطبيق التفاعلي للعبة يتمحور حول فكرة التعليم الذكي والحفاظ على التراث، ومتعة الارتحال للماضي.

المشتى

يقول الوالد جمعة: رحلات المقيظ في مجتمع الإمارات استمرت بتقاليدها المعروفة إلى الربع الأخير من الستينات بين المناطق الجبلية في رأس الخيمة مثل «خت» و«غليلة» و«الحيل» و«معيريض» و«شعم»، بالإضافة إلى دبا ومسافي في المنطقة الشرقية، حيث، وبعد النهضة العمرانية والحضارية في منتصف السبعينات، ظهرت رحلات من نوع آخر عرفت بـ«المشتى» والمرتبطة بفصل الشتاء وهي من الساحل إلى البر، فمن المعروف أن أجواء الصحراء في فصل الشتاء ليلاً تمتاز بالبرودة الشديدة التي تشجع على حلقات السمر والشواء.

نوافذ ثقافية

عن العلاقة التي ربطت الإماراتيين حسب بيئاتهم بالقيظ يقول الوالد جمعة: هي علاقة متزامنة بعادات المجتمع الإماراتي ومن صميم الموروث، لذلك نجد الكثير من سكان البر البدو يمتلكون بيوتا أو استراحات على ضفاف السواحل، وبذلك نمت الحياة المجتمعية والثقافية بين أهل المدن والساحل والبر بفضل موسم المقيظ، وبات التقارب والمصاهرة عنوانا لانتشار مفهوم العائلة الكبيرة والممتدة، وفى وقت لاحق أصبحت العطلات المدرسية والجامعية سببا في حرص جيل الشباب في الماضي على العودة الى صفوف رحلات المقيظ بحثا عن الأخبار وتبادل الكتب الثقافية وطرح لقضايا المعاصرة ذات الصلة بعالمنا الصغير والعالم العربي، خاصة بعد الاتحاد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات