الوالد أمين البلوشي والفنان الأيرلندي مايكل رايس:

الخزف.. فلسفة جمالية بجذور تاريخية وتقاليد تراثية

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخالصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

 

لطالما كان الخزف عبر العصور من أجناس الفنون ذات الجذور التاريخية وذات المكانة المميزة بين الأجناس الفنية الأخرى محلياً وعالمياً، ويعد امتداداً طبيعياً لذلك الإرث الحضاري الفني وللتجربة الجمالية في فن الفخار والخزف منذ الأطوار الحضارية الأولى، والذي حمل دلالات في سماته التعبيرية وعكس فلسفة الحياة ورؤيتها وما وصل إليه الإنسان من فهم لأسرار الوجود.

هكذا استقبل الفنان الأيرلندي وأستاذ الفنون المشارك في الجامعة الأمريكية بدبي مايكل رايس المتخصص في الخزفيات، الوالد أمين البلوشي خلاله زيارته لمعرضه المؤسسي المنفرد الأول «جيو- الأرض ومواردها»، وبدعوة من الشاب أحمد الرئيسي وصديقيه سعيد بن راشد السعدي وجاسم البلوشي.

تراث جوهري

خلال جولة رايس والوالد أمين في أرجاء المعرض أوضح أنه لطالما كانت الإمارات، مثل العديد من البلدان الأخرى في المنطقة، تتمتع بتقاليد حرفية مزدهرة بما في ذلك صناعة الخزف حتى اكتشاف النفط. ويهدف إلى إعادة إحيائها إلى ما كانت عليه من تقاليد حية مزدهرة، حيث إنه يرى أن هذا المعرض والمقام في 1971 – مركز للتصاميم، يعد جزءاً من تلك التقاليد، حيث يروي المظهر العام للمعرض موضوعات ذات طابع جوهري تسلط الضوء على جماليات النحت والتصميم ذات الصلة بالصيغة الكلية، والملمس، والانسجام، والتناظر والنمطيات، والفسيفساء، والفوضى والترتيب وكيف أن توازنها مهم.

أول اكتشاف

يتدخل الشاب أحمد الرئيسي المولع بفن الخزف والفخار قائلاً: إنه تم اكتشاف الفخار لأول مرة في الإمارات من قبل البعثة الدنماركية في أواخر الخمسينيات في جزيرة أم النار في أبوظبي، ثم ظهر في مدينة العين وفي أماكن أخرى من الدولة. وأضاف أن حضارة أخرى سميت حضارة «وادي سوق» ظهرت في بداية الألف الثاني، حيث استمر صنع الأواني الفخارية وزادت أنواعها وتعددت أشكالها وتغيرت طرق صناعتها وزخرفتها وتطورت مع مرور الوقت.

وشدد أحمد على أن الإنسان الإماراتي بدأ في صنع الفخار قبل ‬2500 عام من الوقت الحالي، حيث تؤرخ فترة أم النار من عام ‬2500 قبل الميلاد وتنتهي في عام ‬2000 قبل الميلاد، وقد احتوت مقابر أم النار على كميات كبيرة من الأوعية الفخارية. ونوه إلى أنه لا يوجد دليل واقعي قبل هذه الفترة على ظهور الفخار، مرجحاً في الوقت ذاته أن بعض الفخار الذي ظهر في المواقع الأثرية التي يعود تاريخها إلى الألف الخامس قبل الميلاد كان مستورداً.

رموز إنسانية

وعند توقف الوالد أمين والشباب أمام أحد الأعمال المعروضة، أكد رايس أن البيئة المحيطة من أهم عوامل التعبير في العمل الخزفي وذلك لما تضمه من رموز ودلالات لفتت نظر الإنسان إلى بلاغتها في التعبير عن الأفكار ونقل المعاني والدلالات منذ أقدم الحضارات والعصور، فالإنسان لا يعيش في عالم الأشياء إنما يعيش في عالم رمزي، كما أن الأشياء لا قيمة لها في نفسها فقط إنما في مدلولاتها الثقافية التي يسقطها الفنان عليها.

في حين أضاف الشاب جاسم البلوشي أن ما يمتلكه الفرد من خصوصية في تركيبته النفسية والبيولوجية ومن ثقافة، تحدد طبيعة تعامله مع معطيات ومواد هذه البيئة أو تلك، والتي قد تقترب وتتشابه في بعض الأحيان إلا أنها تبقى خاصة بكيفية تأويلها وتفسيرها لهذه المعطيات، لذلك كانت زيارتي إلى متحف اللوفر في أبوظبي ومركز مليحة للآثار إحدى أهم المحطات الأساسية التي استندت إليها في تقديم أعمالي الحديثة باستخدام الخزف مع إبراز تركيبها بالضوء.

أناقة التعبير

أشار رايس في سياق حديثة إلى أن البيئة الإماراتية تستحوذ على اهتمامه كفنان مقيم وأستاذ للفنون، فهي غنية بالهيئات ذات الدلالات المتنوعة، ودوري كفنان يكمن في تحوير وتغير هذه الهيئات بما يتماشى وغايته التعبيرية فبفعل الخيال يستعيد ما اختزنه في ذاكرته عن هذه الأشكال ليجسدها في خامته محاولاً التقرب أو الابتعاد عما شاهده، وتكون صلة الفنان بما يحيطه من خامات محكومة بخلق علاقة ترابطية مع شكل وبنائية الفكرة المبتغاة مستغلاً الباعث التعبيري لهذه الخامة والمقترن بأحكام سيكولوجية ومن هنا يأتي ولعه بالأرض ومواردها.

سمات فنية

حول تكوين الخزف كجنس فني ورداً على سؤال الشاب سعيد بن راشد السعدي يقول رايس: بطبيعة الحال يشتمل هذا التكوين الفني على عناصر متعددة تخضع، لمتطلبات المادة وضروراتها ويشتمل على علاقة تبادلية ما بين المؤثر البصري والذائقة التي تتحكم في إنتاج الصورة الفنية وكل هذا يحدد الدلالات والسمات التعبيرية لفن الخزف، لاسيما وأن سمات معرفية وقصدية تتصل بالفن بشكل عام وتتحدد بالخزف ضمن قوانينه التقنية بشكل خاص، فضلاً عن أن سمات الصورة الشكلية في الأعمال الخزفية تتضمن انعكاساً ذهنياً للواقع والبيئة. يؤسس من خلاله الفنان أشكاله الخزفية وأعماله الفنية.

 

في سطور

مهنة صناعة الفخار تعد مهنة الإنسان الأول التي استعملها في مأكله ومشربه، وبقيت صامدة على مدى العصور المنصرمة، وانتصرت على عادات الزمن المتحول والمتبدل، فهي مهنة لا تشيخ رغم تراجعها في بعض الأماكن. ولايزال الطين الذي صنع منه الإنسان الأول حاجياته الضرورية يشكل المادة الأولية في صنع الفخاريات نظراً لقدرته على تحمل النار، ويمكن تكييف المواد الأساسية للمنتج تبعاً للغرض المصنوع من أجله، ومثال ذلك أن يضاف الرمل إلى خليط الطين لجعل جرار الماء تحوي عدداً أكبر من المسامات.

الأوعية الفخارية

حول أشهر أسماء الأوعية الفخارية واستخداماتها، يقول الوالد أمين: ثمة أوعية وأوان عدة صنعها أجدادنا من الفخار والطين المحروق. ومن أهمها تلك التي تستخدم لطهي الطعام، وهي: «القدر الفخاري» أقدم وأكبر أنواع القدور وأكثرها شيوعاً خاصة في مطلع القرن العشرين وكان يصنع في محارق الفخار المنتشرة في رأس الخيمة، ويستخدم في طهي الطعام. وهناك «البرمة» وهي قدر فخاري متوسط الحجم يستخدم للطهي، وثمة نوع منه يوضع به الحليب ليتخمر ويتحول إلى لبن رائب.

ويضيف الوالد أمين: «اللقن» من فصيلة الصواني الفخارية الكبيرة والعميقة توضع به أطباق الطعام المصنوعة بدورها من الفخار. وثمة أوعية فخارية كانت تستخدم في حفظ الماء أهمها «الخرص» وهو نوع شهير من الجرار، وكذلك «الحب» إناء فخاري كبير مخصص لتبريد مياه الشرب ويستوعب عدة غالونات من المياه. و«اليحلة» عبارة عن زير فخاري صغير. وأما «الخرش» فيصنع من الفخار أو الطين المحروق ويستخدم لتخزين الماء، ومنه ما يستخدم لتخزين التمر.

صناعة يدوية

صناعة الفخار تحتاج إلى عجينة طين جيدة مكونة من التراب الناعم وبعدها يتم حفر حفرة دائرية الشكل وحفرة مستطيلة «حوض» تتصل مع بعضها بفتحات ثمّ يتم وضع التراب الأحمر والأخضر في الحفرة الدائرية، ويصب عليها الماء، ثم تترك ساعتين، وبعدها يتم تحريك خليط التراب والماء، ثم التخلص من الشوائب، وبعد تصفية الطين في الحفرة الدائرية يتم توزيعه على الحفر المستطيلة، وبعدها يتم ترك الطين حتى يصبح متماسكاً لمدة شهر فيتم صناعة العديد من الأوعية وأواني الفخار على درجة حرارة قد تصل لأكثر من 1000 درجة مئوية، وذلك بهدف فصلها عن الماء وتجفيفها وتستمر عملية الحرق في الفرن أكثر من 4 أيام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات