التشكيلي الأميركـي مايـك أرنولد:

بالفيديو.. «زايـد» معمــار وطـن يبتسم في وجنته

نسجت المبادرات النوعية للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ملامح المجتمع الإماراتي المعاصر إيماناً منه بأن معطياتها المؤثرة لها بالغ الأثر في تكوين الشخصية الإماراتية في كافة جوانبها الاجتماعية والفنية والأدبية التي هي نتاج لخبرات ومعرفة علمية تجمع كافة جوانب الحياة وعليها أن تقدم الرسالة التي تسهم في تنمية المخزون الإبداعي متعدد الجنسيات والمنفتح بانسجام على مختلف أشكال الإنتاج المجتمعي الذي يضيف إلى الحراك الثقافي المحلي أبعاداً إنسانية متناغمة للسلام والمحبة.

تعبيراً عن حبه العميق لشخصية القائد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رسم المعماري السابق والفنان التشكيلي مايك أرنولد لوحة زجاجية حملت صورة الشيخ زايد وتقاسيم وجهه التي جسدت خطوطها التعبيرية على خده الأيمن خارطة الإمارات كأنها وجدت لتزيين ابتسامة المغفور له، فهكذا كان زايد وهكذا يتذكره العالم محبا للوطن شديد الاعتزاز بأرضه حريصا على وحدته، وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها خلال زيارة بعض المواطنين والمواطنات إلى معرضه انهم يطلبون التقاط صور شخصية مع اللوحة التي يمتلكون منها نموذجا مصغرا كغلاف للهواتف النقالة.

نهج القائد

ويشير مايك أن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد شخصية استثنائية ومثل أعلى يحتذى به، فمناقب القائد الأول ومآثره لا يمكن إحصاؤها لأنها هي صفات أمة وحضارة شعب فلقد بدأ، رحمه الله، طريقاً وحدوياً بفكرة شجاعة وعزم نادر الوجود فجمع الشمل المتفرق وألّف القلوب المتناثرة، وأعلن عن قيام دولة فتية ذاع أمرها وعلا شأنها بين الدول المجاورة ودول العالم أجمع حيث وضع بذرة الحب والإخاء والمحبة أساساً لوحدة الوطن في أروع مسيرة اتحادية حضارية عرفتها البشرية على مرّ العصور.

ويضيف مايك: وانطلاقا من نهج المغفور له بإذن الله الشيخ زايد ومبادراته المحفزة على التكاتف والانتماء الى جانب تقديم اعمالي الفنية أقوم بعمل تطوعي لتعليم فنون الرسم والتشكيل ضمن فريق مركز «مواهب للأشخاص الجميلين»، الاستديو الفني النابض بالحياة وبالطاقات الفنية، وبأعمال أصحاب الهمم، الذي يحمل رؤى مختلفة تساهم في تطوير شخصيات الطلاب حتى لو لم يتحوّلوا جميعهم إلى فنانين ماهرين، ويبقى الفن وسيلة لمساعدتهم.

روح الانتماء

أمضى مايك 40 عاما من حياته بين مسقط رأسه فيلادلفيا - بنسلفانيا ودبي في تصميم وتشييد الكثير من المعالم والمباني المتميزة ببصمتها المعمارية المتفردة، لم يستخدم قط في حياته المهنية أجهزة وتقنيات حديثة للرسم والتصميم، فقد كان قلمه وريشته أدواته المعتقة بالأصالة التي تبحث بين طياتها عن روح الانتماء لهذه الصروح التي تتلمس طريقها نحو الإنجاز.

وفى السياق يقول مايك انه طوال 35 عاما قضاها في الإمارات لم يستشعر ملامح الاغتراب، وعلى وجه الخصوص ان أعماقه مسكونة بروعة الحضارات العربية، وثقافتها الغارقة في السحر والإبداع، مضيفاً: كنت مهدداً في الحياة العملية أن أتخلى عن حياتي الإبداعية ولذلك كان التحدي كبيراً، وفكرت أن يكون الفن وسيلة انتصار بالنسبة لي بعد تقاعدي قبل 5 سنوات ومن خلال الفن التشكيلي أستعيد الأجواء الحميمية التي تسكنني ولم أتخل عنها لتكون وقاية لي، حتى لا أتوه وتصطادني استراحة المحاربين القدامى، لذلك أنا أستعيد الموروث الإماراتي بعباءة الحاضر بحثاً عن خلق منظورات جوية للخط والألوان وجذب العين للتفاعل مع الشكل والبنية والأحداث من زاوية غير عادية.

براجيل الفهيدي

أوجد مايك لنفسه مكانا متميزاً كفنان تشكيلي بارع مستفيدا بذلك من خبراته المعمارية السابقة فحزم اقلامه ولوحة ألوانه إلى منطقة الفهيدي بأسلوبه الهندسي الفريد وأبراجه الهوائية الطويلة المصطفّة على طول الأزقة الضيقة لتذكّر بنمو المدينة عمرانياً وحضرياً واختار لنفسه مرسما وصالة ملحقة للعرض ضمن استوديوهات «تشكيل» المطلة على الخور بمنطقة بر دبي التاريخية التراثية.

ويعتقد مايك أنه كان لا بد من دراسة الفن وفق معيار المعمارية ودراسة المعمار وفق معيار الفن، حيث يتماثل الحقلان في طبيعة التعامل مع الخطوط والتصاميم والزوايا والأبعاد والمساحات، ولذا فإن تلاقح الحقلين صار أمراً مهماً وملفتاً، حيث أثبتت الفنون التشكيلية والمعمارية أن الحداثة مصدر غني للإلهام وقد أسهمت في إعادة غرس المفاهيم العملية التي أبدعت فنوناً متميزة. وأكد أن الفنان وفق منهج ما بعد الحداثة أصبح يمتلك القدرة على إعادة تصميم الأشياء والعالم بحرية أكبر، باعتبارها ثورة فنية أعادت تعريف الأشياء، حيث أتاحت له إمكانية استبدال الأشياء ببعضها بهدف تحقيق نتائج جيدة مما أدى إلى استمرار وتطور العملية الإبداعية بشكل لافت.

متعة بصرية

ويعتبر مايك المعمار مجالاً يجمع بين الفن والتقنية، فالجمالية، باعتبارها أخلاقاً ووظيفة وحقيقة وإعلاء من شأن الإنسان، تكمن في فعالية هذين العنصرين. قديما، وقبل انفصال الفنون، كانت الهندسة المعمارية تعتبر أم الفنون، إلا أنني أعتبر أن الفنان التشكيلي يتمتع بحرية أكبر في مجال الإبداع، فعلى الرغم من أنه يشترك مع المهندس المعماري في الاشتغال على الفراغ، إلا أن حركته، إذا ما شابها أي خطأ لا يمكنها أن تؤذي الإنسان أو تهدد حياته. وفي المقابل، يمكنني كمهندس أن أستفيد من حرية الفنان، من خلال منحي هامشا أكبر من التفكير ومن التأمل ومن المتعة البصرية، التي يمكنها أن تفتح لي أبوابا كانت تبدو لي مغلقة. فأنا أغبط الفنان على حريته، وقد أذهب إلى وصف بعض أفكاره بكونها مجنونة، وهو تعبير لا يمكن أن ينسحب على ما يبدعه المهندس من أشكال ونماذج معمارية، فليس من حق المهندس المعماري أن تكون له أفكار مجنونة.

بعد حضاري

وحول حضور البيئة والموروث الإماراتي في لوحاته يقول إن التدقيق في خصائص التشكيل الفني في الإمارات من خلال التراكيب سواء كان جداراً أو واجهة أو منحوتة، يلتقي بداخلي مع الفهم الجمالي، الذي يبرز الأثر المشترك للفنون، وهذا الأثر، ذو بعد حضاري اكتسب الكثير من القيم ذات الصبغة المحلية التي تؤكد تحديد هويتي الفنية المولعة بالخيول والصحراء والموروث بوصفه مفتوحاً على مسارات جمالية وشكلية، فتكوين مبنى سكني في أي حضارة من الحضارات، إنما يعبر في نهاية المطاف عن حكاية هذا المبنى.

فرحة رمضان

ويرى مايك أن شهر رمضان المبارك يعزز القيم المجتمعية القائمة على التسامح والتي يلمسها أبناء الجاليات المتعددة الجنسيات، والذين مع الوقت أصبحوا لا يشعرون بالغربة أو الوحدة، فالبيوت تستقبلهم بفرح جمّ وكرم كبير، لتجربة روحانيات الشهر الفضيل ضمن اجواء من الإخاء والترابط القائم على المحبة المغموسة باحترام ثقافة الآخر، لإيجاد التأثير الإيجابي المتبادل، والذي يساهم في دمج كافة الحضارات والثقافات ومن ضمنها ثقافة الطهي التي تشكل جزءاً مهما من طقوس رمضان. ويضيف مايك: تظل المائدة الرمضانية التراثية زادا ثقافيا يربط الأجيال الجديدة بماضيها، وبالمقيمين على اراضيها، من خلال حرص العائلات على توريث هذه الأطباق لأبنائها، ما يشكّل عملاً لا يستهان به من حيث طبيعته كثقافة متعلقة بالطعام، حتى إن بعض الأسر تبذل جهودا مضنية في تحضير الأطباق التراثية بشكل متقن يبعث على الدهشة، كما تعد المطاعم الشعبية الإماراتية المنتشرة في مختلف إمارات ومدن الدولة اليوم، مقصداً للمغتربين وأبناء الجاليات.

قيم التسامح

يؤكد مايك ان النموذج الإماراتي في التعايش والتعاون بين الجنسيات المتعددة الفكر والثقافات والمعتقدات يجسد مقومات أصيلة حافظ عليها الأجداد وتواصلت معها الأجيال الشابة وشملت محتوى جديدا ونوعيا يمكنه مواجهة التحديات، إلى جانب الثقافة المجتمعية السائدة التي تميل إلى الاعتدال والتوازن والتسامح والانضباط في السلوك والتفكير، وكل هذه العوامل تشجّع على التعايش الذي يشعر به أولئك الذين يعيشون على أرضها ممن ثمّنوا هذه الميزة التي جعلت الإمارات قبلة المصطافين والزائرين والمقيمين، ممن يشعرون بالرضا عن هذا البلد الذي يجسّد قيم المحبة والتكافل والتسامح.

تعليقات

تعليقات