حلويات العيد هوية متنقلة لفنون الطهي العربي

إلياس سعد:المأكولات الإماراتيـــــــــــة تقاليد متوارثة وعادات أصيلة

«إن الرزق رزق الله، والمال مال الله، والأرض أرض الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، ومن توكل على الله أعطاه الله، ومن يبينا حياه الله».. غيض من فيض حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ترحب بتعدد الجاليات، وتعزز ثقافة التسامح.. «البيان» تستعرض شهادات 30 شخصية طاب لها العيش على أرضنا الطيبة.

الاهتمام بتفاصيل الضيافة العربية وتطوير هوية المأكولات العربية والشرقية لترتدي ثوب الحداثة في الشكل وطرق التقديم كانت مثار اهتمام اللبناني، إلياس سعد، الذي عمل خلال 18 عاماً انطلاقاً من إمارة أبوظبي في مجال الخدمات الفندقية وتوثيق الوصفات العربية، ومن ثم تقديمها بشكل عصري يساعد على انتشارها وتصدرها العالمية في المذاق والإرث، كما تشبع وشغفه الدائم ومحاولاته المتكررة في تقديم أطباق أصيلة النكهة من جميع أنحاء الوطن العربي لا تنسى من قلب العاصمة.

ثقافة الطهي

يقول إلياس: خلال عملي ضمن طاقم فندق الفيرموت باب البحر اعتنيت بشكل مباشر بماهية المأكولات الشرقية والعربية التي هي جزء لا يتجزأ من ثقافة مجتمعنا، كما أنه انعكاس لها. تختلف أنواع ونكهات الطعام تبعاً لمورث المنطقة وتأثرها بحضارتها القديمة والتي بدورها تأثرت بالجماعة وبيئتها الاجتماعية والجغرافية والتاريخية، رغم الإطار العام الواحد للثقافات المحلية فإنها تبقى متنوعة ومتميزة ولكل صفاته الخاصة، ويعد تاريخ المأكولات الشرقية وطريقة تحضيرها ومكوناتها جانباً مهماً جداً لقياس مستوى المعيشة والقيم الجمالية لمجتمع معين ذلك لأنه يعكس بأدواته وأنواعه الثراء النفسي والاجتماعي لهذا المجتمع.

مبادرات نوعية

ويوضح سعد: تشجع إمارة أبوظبي العديد من المبادرات الثقافية، ومن ضمنها تقديم تراث المطبخ العربي بحلة عصرية، نظراً إلى عالمية المدينة التي تحتضن جنسيات متعددة ومن ضمن فعاليتها المتنوعة مهرجان أبوظبي للمأكولات والذي يشتمل على مهرجان «فنون الطهي - أبوظبي» و«مهرجان المطبخ الإماراتي» وأول مهرجان بالمنطقة للمأكولات المتجولة، والذي سيستقطب المواطنين والزوّار على حد سواء بمشاركة العديد من الفنادق والمطاعم والمجمعات التجارية والمعالم السياحية في إمارة أبوظبي. كما يقدم العديد من الطهاة العالميين والمحليين العديد من الورش التعليمية والأطباق الشهية من مختلف أنحاء العالم لجميع أفراد العائلة.

عادات متوارثة

ويؤكد سعد أن ثقافة المأكولات وعاداتها خلال شهر رمضان الكريم وعيد الأضحى المبارك يستند إلى جذور عميقة ذات صلة بالعادات المتوارثة عبر الأجيال من خلال وصفاته التقليدي وأطباقه، وعاداته أشهر من أن تُشرح بغناها ومدلولاتها الاجتماعية فمثلاً إكرام الضيف يكون بتقديم شتى أنواع الطعام الموجود، وطعام العائلة لا يكون فرادى بل يتم الانتظار لتجتمع العائلة كاملة، كما يوجد تنوع غني وتخصيص لأنواع الطعام حسب المناسبات أي هناك طعام محدد للأعراس والأعياد وتشبيه الناس بأنواع الطعام «مثل السمن والعسل»، وكذلك توطيد أواصر الصداقة والتعاضد تكون بتشارك الطعام إضافة إلى الكم الهائل من الأمثال الشعبية التي تتعلق بالطعام، كما تعكس الأسرة الإماراتية المعاصرة التوازن بين التقاليد والتطور.

حيث تتميز العديد من البيوت المحلية الآن بالمبرز (المجلس)، وهو غرفة استقبال مجهزة بجلسات إماراتية تقليدية، حيث يمكن للضيوف الاسترخاء كما أن هناك بعض العادات والتقاليد لا تزال ثابتةً كما كانت سابقاً، مثل تناول القهوة والفواكه الطازجة والحلويات بدايةَ كل زيارة اجتماعية، ولا تزال تشكل عنصراً جوهرياً من الآداب المحلية، وهي رمز دائم للضيافة الإماراتية، وأطباق الطعام والشراب المقدمة كهدايا لا تزال متبادلة بين الجيران، وفي نطاق العائلة، وبين الأصدقاء، فضلاً عن تبرع العائلات الغنية بالطعام بسخاء، للمساجد والجمعيات الخيرية، خاصة خلال شهر رمضان.

حلويات العيد

ويقول سعد: حلويات العيد ليست مجرد طبق مناسبات، لأنها في الواقع تحمل جزءاً من عاداتنا وثقافتنا، فنجدها لا إرادياً تعبر عن ثقافة الشعب الذي تنتمي إليه. وإن عدنا إلى مكونات الحلويات العربية سنجد الكثير من نقاط التشابه، ولكن مع اختلافات كثيرة تحفظ خصوصية كل بلد من هذه البلدان وقد يلاحظ الذي يعيش في دولة الإمارات تعدد الجنسيات والثقافات هذا الاختلاف الواضح بين النكهات مع الزيارات المتنقلة بين منازل الأصدقاء المتعددين الجنسيات، فيجد مميزات خاصة في كل طبق من أطباق هذه البلاد بنكهاتها المختلفة. لكن على الرغم من هذه الاختلافات، يبقى في الأخير أمر واحد مشترك بين الجميع وهي أنها جميعها حلوى العيد وعلى سبيل المثال تعتمد الإمارات أكثر من حلوى للعيد، إذ تقدم فيه اللقيمات والخبيص، والبلاليط، أما الحلوى المميزة في هذه المناسبة، فهي الحلوى العمانية التي تقدم باردة.

فن التعايش

وحول مفهوم التسامح والسعادة الذي ترتكز علية سياسة دولة الإمارات العربية يقول سعد: كلما اتسع نطاق التبادل الثقافي فإن الرؤية الثقافية سوف تتسع، وتولد الجديد والمفيد، وكلما تقلص ذلك التبادل فإن الثقافة تتقوقع على نفسها، وتصبح غير منتجة، وخصوصية الإمارات هي أنها توفر هذا الاتساع باحتضانها تنوعاً ثقافياً كبيراً جداً، وقد استفادت الحركة التشكيلية الإماراتية على وجه الخصوص من هذا التنوع، وانخرط الكثير من الفنانين في الحداثة الفنية، وانطلقوا في تجارب فنية تستقي عناصر عالمية، وتمثل نموذجاً رائعاً ويحتذى في التعايش والتواصل بين الشعوب والجنسيات المختلفة، رغم هذا التعدد الكبير، إلا أن هناك طرقاً كثيرة للتفاهم والتواصل بينهم. ولعل الفن هو خير لغة بين هذه الجنسيات فهو يتخطى كل الحواجز، فالفنون بمختلف أشكالها مستوياتها وتنوع أصولها تلعب دوراً مهماً في تقارب الشعوب، وتمهيد طريق الحوار، وما هو حاصل من تنوع في الإمارات يزود الثقافة بمعطيات وتحديات خارج حدود ما هو محلي، ويجعلها تسخّر إمكاناتها في أي مجال لخدمة قضايا إنسانيه عالمية.

حفظ التراث

ويشرح سعد: إن حفظ التراث العربي للمأكولات هو حفظ لغنى وتنوع يعطي الثقافة هويتها ومقوماتها. ومع التغيرات السريعة هناك حاجة ماسة لرفع الوعي وإبراز أهميته بكل عناصره مهما كانت بسيطة، وكذلك ضرورة حفظه بطريقة مناسبة للاستفادة من الفوائد الكامنة من حفظ هذا التراث، حيث إن الهجوم على العولمة لا يعني أبداً صمّ الآذان ومنع التغيير، وإنما التمسك بالهوية والتميُّز مع الاطلاع والاستفادة من التجارب العالمية وتطبيقها بما يتناسب والذوق المحلي وكذلك الاستفادة من التقنيات الحديثة للاتصالات لإيصال إنتاجنا وتراثنا وتجاربنا أيضاً.

إن تراثنا بكل غناه ليس فقط «ماضيا» نتذكره ونفخر به فقط وإنما يجب أن يكون منجم فوائد معنوية ومادية معاً، وتأكيد هذا لا يعني أبداً أن نكون مُنغلقين على أنفسنا كي لا نتأثر بما يحدث ونُحافظ على تقاليدنا، ولكن من الضروري أن نعي ما نتأثر به ونحن ثابتون على أساسنا المحلي الصلب الذي يحفظ لنا «هويتنا» لا أن نتبنى أي شيء فقط لمواكبة الحداثة.

عولمة اقتصادية

ويوضح سعد: المطبخ العربي هو جزء من السوق العالمية التي تسعى الشركات المتنافسة لكسبها إلى قائمة مستهلكيها. إن أساس العولمة هو العملية التجارية بغض النظر عن المواد المتاجر بها حيث يتم فيها السعي والتنافس بين الشركات لإيجاد مستهلكين جُدد وبشكل دائم وكنتيجة فإن العولمة هي «ثقافة الاستهلاك». وهكذا لا تقوم العولمة فقط على المتاجرة بالبضائع وإنما بالثقافة والطبيعة وكل ما يمكن أن يؤمّنَ الرّبح. العولمة الاقتصادية التي فتحت السوق المحلية على السوق العالمية أثّرت بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي الذي تحوّل من إنتاج «عائلي محلي» إلى إنتاج «صناعي هائل».

وصفات متنقلة

ومن جانب آخر يشير سعد إلى أن حركة انتقال المواد في الشرق قد أسست لمجموعة من العلاقات وفتحت خطوط الاتصال بين حضارات المنطقة بدءاً بالحضارة المصرية والبابلية وانتهاء بالهندية والصينية منذ أمد بعيد، قد يكون أبعد من أي تاريخ حددته القطع الفنية الأثرية التي وجدها علماء الآثار في هذه المناطق، ويعتمد انتقال أنواع الطعام من مكان لآخر بشكل كبير على البيئة السياسية، وهكذا قد تتغير التقاليد الغذائية في الطهي لمنطقة ما بناء على انتقال السلطة السياسية فيها.

ثقافة متجانسة

يقول إلياس سعد: إن الحدود الجغرافية للبلدان لا تعني بالضبط حدوداً أو فواصل ثقافية، فمثلاً نحن لا نستطيع أن نضع العالم العربي كله ضمن ثقافة طهي واحدة متجانسة ومختلفة عن ثقافة الطهي في أوروبا أو أميركا مثلاً، فالروابط التي تجمع هذه المناطق ليست جوهرية فقط بل لها علاقة وثيقة بالطبقات الاجتماعية والدين والبيئة المحيطة. ويتابع أن أغلب البلدان العربية توجد بها أصناف تميل إلى توجهها الفكري والحضاري فكثير من المأكولات المصرية مثلاً تندرج تحت مظلة المطبخ التركي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات