قادمة من بلد اعتاد التمازج والانصهار في وعاء الحضارات

كيلي أنغولو:الشيم الإماراتية بصـــــمة وطن يحترم تقاليده العريقة

«إن الرزق رزق الله، والمال مال الله، والأرض أرض الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، ومن توكل على الله أعطاه الله، ومن يبينا حياه الله».. غيض من فيض حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ترحب بتعدد الجاليات، وتعزز ثقافة التسامح.. «البيان» تستعرض شهادات 30 شخصية طاب لها العيش على أرضنا الطيبة.

تجربة كيلي أنغولو في التعايش وسط مجتمع متعدد الجاليات عتقها مزيج الحضارات التي جلبت معها إلى دولة الإمارات والتي ترتدي هوية موطنها «البيرو» لتروي بعشق وتتغنى بقصة «الأنكا» في أعجوبة الدنيا «ماتشو بيتشو»، حيث يتعرّج قطار صغير بين أروقة جبال الآنديز، وينزلق زورق من نهر مادر دي ديوس عبر الغابة الأمازونية وبإمبراطورتها التي امتدت في جميع أنحاء أميركا الجنوبية الغربية من كيتو في الشمال إلى سانتياغو في الجنوب.

كنوز الحضارة

وفى السياق تقول كيلي، أنغولو مسؤولة الشؤون المالية، بمكتب التجارة والسياحة والاستثمار «وبروم بيرو» في دبي: جمهورية البيرو هي أحد بلدان أميركا الجنوبية التي تملك كنوزاً لا أثمان لها. وكانت موطناً لحضارة نورتي شيكو وهي إحدى أقدم الحضارات في العالم وتلتها إمبراطورية الإنكا أكبر دولة في أميركا ما قبل كولومبوس. احتلت الإمبراطورية الإسبانية المنطقة في القرن السادس عشر، وأعلنت تابعة للتاج الإسباني. بعد الاستقلال في عام 1821 شهدت البيرو فترات من الاضطرابات السياسية والأزمات المالية وفترات من الاستقرار والازدهار الاقتصادي.

الطبيعة الخلابة

وتضيف كيلي: على الرغم من أن البيئة في الأنديز غالباً ما تكون قاسية، إلا أن المناظر الطبيعية الخلابة أدت لغزو الإنكا، واستغلال هذه الأوضاع المتنوعة مثل السهول والجبال والصحارى والغابات الاستوائية، علماً أن الإنكا تشتهر بالفن الفريد من نوعه والهندسة المعمارية، حيث شيدت المباني المدمجة ويستمر التكيف المذهل مع المناظر الطبيعية على المدرجات، واستخدام الطرق السريعة، والمستوطنات الجبلية لإقناع الزوار على زيارة هذه المواقع العالمية الشهيرة مثل «ماتشو بيتشو».

تجربة الاستقرار

وتعتقد كيلي أن تجربة الاستقرار والعمل في الإمارات، كانت وما زالت من أفضل الأمور التي حدثت لها في حياتها، فهي قادمة من بلد اعتاد التمازج والانصهار في وعاء متعدد الأعراق، ويتكون من اندماج جماعات مختلفة على مدى خمسة قرون، حيث قطن الهنود الحمر أراضي البيرو لعدة آلاف من السنين، وفي ظل التطورات الحديثة، وثورة العالم المتطلعة نحو مستقبل أكثر تميزاً وانفتاحاً على الآخر، يأتي دور تمازج الثقافات لكي يصنع ثقافة جديدة مميزة، تتناسب مع العصر ومع الزمن المنطلق إلى رحاب آفاق مبتكرة وأكثر إبداعاً، وتوثق من روح العصر المبادرة للتغيير. ولا يلغي التمازج الثقافي والحضاري بالتالي قيمة وأهمية الأصول الثقافية التي كانت قبل امتزاجها، وقد بلغت الإمارات ذروة الحكمة في إتاحة التمازج الثقافي الحضاري على أرضها، بحيث تمكّن كل مواطن ومقيم على أرضها من التعرف إلى العالم في مكان واحد، ومن التواصل مع الكل بسلاسة، ومن الاستفادة بالتالي من مجمل الحضارات التي يندر أن تلتقي مثل هذا اللقاء الآمن والجميل.

مظاهر احتفالية

وحول روحانيات شهر رمضان تقول كيلي: تنوعت مظاهر الاحتفاء بشهر رمضان المبارك في دولة الإمارات هذا العام، حيث لا تنفح دبي زائريها وأهلها والمقيمين فيها، مفردات الجمال والحداثة فقط. فما تقدمه لهم عبر مكونات أسواقها وبهاء عناصرها الطبيعية ومقوماتها المتنوعة، يتعدى طابع الفرجة ليبلغ مستوى الوجبة الثقافية والترفيهية الدسمة. وما يميز الشهر الفضيل في الإمارات هو الحرص على تكريس العادات والتقاليد الاجتماعية الطيبة والتي نجدها في أيام وليالي رمضان من حيث التجمع في مكان واحد، وأسرة واحدة مع السمر والدعوات للجيران والأصدقاء؛ فهذه في مجملها تعطي النفس الصفاء والنقاء والاستشعار بمعاني هذا الشهر المبارك وأيامه الجميلة.

بصمة شعب

وتضيف كيلي: الشيم الإماراتية، موروث لا يضحى به، فهي بصمة تطبع طباع هذا الشعب وتميزه بكل مكارم الأخلاق العربية الأصيلة، ولذلك يحرص الإماراتيون على أن يربوا أولادهم عليها منذ نعومة أظفارهم، حيث نجد الطفل يرافق الكبار في مهمة مساعدة الصائمين على الطرقات العامة ساعة الإفطار، وفي المساجد وخصوصاً مسجد الشيخ زايد الكبير بأبوظبي، حيث تتجلى جماليات العمارة الإسلامية في أبهى صورها المعاصرة، خاصة تصاميم السقف والأعمدة البيضاء المزخرفة وهي مصطفة على طول الرواق الذي يشقه نفر من المقبلين على بيت الله في هذا الشهر الفضيل، وتتعدد الفعاليات لتشمل الأنشطة الثقافية والتراثية والرياضية، حيث تقام عدة فعاليات تعكس العادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة، فيما يمكن اختبار فعاليات أخرى في مراكز التسوق والقاعات المغلقة.

جلسات الإفطار

وتضيف: كما يمكن الاستمتاع بأجواء جلسات الإفطار والسحور الكثيرة التي تقام بعد مغيب الشمس، في حين تكتظ الأسواق ومراكز التسوق بالمتسوقين والعروض الترويجية الجذابة، وهو ما يدفع مراكز التسوق لفتح أبوابها لساعات أطول بما يفسح المجال أمام مرتاديها لقضاء أوقات أمتع، وبهذا تبقى الإمارات ودبي مدينة زاخرة بالحركة والحيوية على مدار العام، وبإمكان زوارها التمتّع بكلّ ما تقدمه المدينة من معالم وأنشطة مميزة.

الانفتاح المعرفي

وترى كيلي أن الإيجابيات تتجسّد في الانفتاح الثقافي والمعرفي على كل بلدان العالم في العمل والتعليم والفن والثقافة، الشيء الذي يوسع أفق ووعي الأفراد في مثل هذه المجتمعات، وبالتالي يزداد حجم الإنتاج في كل المجالات، ولا يبقى أسير نمط معين أو ثقافة محددة. وهو ما نجده في الإمارات كلها، حيث تسهم الجاليات في رسم معالم الثقافة بما يخدم منهج الدولة والإنسانية بكل تجلياتها، قد تبدو هذه النقطة في غاية الإشكالية، أي كيف لبلد تضم كل هؤلاء المختلفين عنها في العادات والتقاليد أن تجعلهم يسيروا جميعاً وفق منهجها وما تريده هي في الحاضر ومن أجل المستقبل؟ إلا أن الإمارات ومن خلال احترامها للآخر قبل أي شيء نجحت في جعله يحترم عاداتها وتقاليدها هي. والذي يتجسّد في جعل هذا الفرد أو الآخر ينتج ويعمل لتطوير ذاته حسب مؤهلاته وماهية اختصاصاته، بالتزامن مع هدفه في تطوير الدولة التي يعمل بها ويعيش فيها وترسيخ هويتها، دون أن يفقد هويته الأصلية وانتماءه لبلده.

جيل «بيبرو»

وتوضح كيلي: من المدهش أن جيل الثمانينات في دولة الإمارات كان له علاقة وطيدة ومحبة مع الثقافة البيروفية، فطالما أوقفني الكثير من المواطنين الشباب فور معرفتهم جنسيتي، ليبادروا بسؤالي عن الشخصية الكرتونية «بيبرو» بطل مسلسل الأنميشن «النسر الذهبي» الذي بث في اليابان من 1975/10/06 إلى 1976/03/29. ومنذ ذلك الحين ثم ترجمتها وبثها في عدة لغات في جميع أنحاء العالم النسر الذهبي رمز ديني لمدينة الذهب الأسطورية ودليل عليها، فحكاية النسر وظهوره قصة من نسج خيال الكاتب لإضافة نكهة مميزة للقصة وأبطالها وكان له ما أراد، فكان ظهور النسر الذهبي بمثابة الأمل الذي يراه بيبرو أمام عينيه، الأمل الذي يقوده للوصول إلى مسقط رأس النسر ألا وهي الإلدورادو؛ فكلما رأى بيبرو النسر هتف قلبه قائلاً نحن على الطريق الصحيح، ومن تمام جمال القصة أن النسر الذهبي أنقذ حياة بيبرو ورفاقه في مدينته الإلدورادو، وسابقاً كان فقط دليل إرشاد لهم لا غير فكان المنقذ الأخير لقرب نهاية الرحالة كارلوس، والد بيبرو الرجل الذي بسببه بدأت القصة، فقد كانت قريته تعاني الفقر وقلة الموارد الغذائية فقرر السفر إلى مدينة الإلدورادو ليس بحثاً عن الذهب، لكن لأنه سمع بخرافة تقول: «إن هناك شيئاً في الإلدورادو يجعل الهنود الفقراء سعداء».

ملتقى الحضارات

تقول كيلي أنغولو: أصبحت الإمارات ملتقى الحضارات والثقافات ومنطلق المستقبل والنقطة الأساسية التي تصنع الحضارة الجديدة، ويدعم ذلك الأدب الإماراتي الذي أصبح بصمة في قلب الهوية الوطنية، وفي التعريف بما حفل به التاريخ من شخصيات وإبداعات، تميز الإمارات عن غيرها من بلدان المنطقة المحيطة بها والعالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات