الطائفية تنهش المجتمع وتضعفه

إن الله عز وجل خلق الناس من أصل واحد؛ فالناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب. قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).

وفي هذه الآية الكريمة تأكيد على العلاقات الإنسانية الراقية، القائمة على التعاون والتعارف، والحوار الهادف، والمعاملة الحسنة، والحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه، والبعد عن الطائفية والخصومات، والمجادلة بالتي هي أحسن واحترام التنوع والاختلافات، فإن الاختلاف في الألسنة والألوان سنة ربانية، وآية من آيات الله، قال تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين).

وقال سبحانه: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم).

وقد وجه الشرع الحنيف إلى احترام آدمية الإنسان دون تمييز لعرقه أو لونه، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى».

وأكد النبي صلى الله عليه وسلم، هذا المعنى بعتابه لأبي ذر الغفاري، رضي الله عنه، حين عير رجلاً بلون أمه فقال له صلى الله عليه وسلم: «أعيرته بأمه».

قرر النبي صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة ‏حقوق المواطنة، وإفشاء المحبة والسلام، فكانت المدينة واحة أمان، وروضة اطمئنان، يعيش جميع أهلها بسلام، على اختلاف ألوانهم، فمن حق كافة فئات المجتمع على اختلاف أعراقها وألسنتها أن تنعم بالاستقرار، وتأمن على الدين والنفس والمال والعرض، دون تمييز على أساس عرقي، وهذه مسؤولية الجميع، مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع، حتى تكون ثقافة الجميع: لا للطائفية، فالكل سواسية، ويتعاملون بالعدل والاحترام.

فالطائفية تفرق ولا تجمع، وتضر ولا تنفع، وتضعف المجتمع، وتنشر الخلافات والخصومات، ويتعصب الطائفيون لما هم عليه، زاعمين أنهم وحدهم على الحق (ويحسبون أنهم على شيء). رافضين الآخرين (كل حزب بما لديهم فرحون). ويقدمون ما التزمته طائفتهم أو تبنته من مبادئ وأفكار على المشتركات التي تجمع المجتمع الواحد.

ومن رحمة الله عز وجل أن حذر عباده من شر ذلك كله فقال سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا). وفي الآية الكريمة تصوير لحال التفرق في أسوأ صوره، فهو يفضي إلى الطائفية والاختلاف، وبهما تكثر النزاعات. وقد قال عز وجل: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). وإن التعصب الطائفي يوقع أصحابه فيما نهى الله تعالى عنه من التحزب والتفرق؛ ويشرع للعنف، واستباحة الدماء، ويبرر الإضرار بالآخرين، ويدعو إلى النزاع والشقاق، ويظن كل فريق أن الله عز وجل يبارك عمله، ويشكر سعيه، فيصبح من الأخسرين أعمالاً (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً).

إن الله تعالى أمر المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة. وتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الطائفية ورفضها بكل صورها، فحين اختلف المهاجرون والأنصار، فقال رجل: يا للأنصار، وقال آخر: يا للمهاجرين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوها». فالطائفية لا تتوافق مع المواطنة الحقة، فالطائفي يقدم الانتماء لطائفته على الانتماء الوطني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات