رمضان شهر الصدقات والتسابق في ميادين القربات

رمضان شهر الصدقات والقربات لرب البريات سبحانه؛ لأنه شهر يتنافس فيه المتنافسون لرب العالمين، ويتسابقون إلى فضله العظيم؛ لأن الله تعالى يدعوهم لذلك كما قال سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فقد دلت الآية الكريمة على أن الجنَّة أعدت أي هيئت لأهلها، وبينت بعض صفاتهم أنهم ينفقون في السراء والضراء، أي في جميع أحوالهم، فهم في سرائهم ينفقون ولا يبخلون، وفي ضرائهم كذلك هم ينفقون، فلا تحول الضراء بينهم وبين الإنفاق، وهذا هو الكرم الحقيقي؛ لأنه يدل على غِنى النفس؛ لكونه يجود بالموجود، وقد صح في الحديث «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكنَّ الغنى غنى النفس» كما قال بعض الأدباء:

ليس العطاءُ من الفضول سماحةً

حتى تجود وما لديك قليلُ

وقال آخر

ليس جودُ الجواد من فضل مالٍ

إنما الجود للمُقلِّ المواسي

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على أن لا يستقلوا شيئا من صدقاتهم فإنها عند الله كثير فكان صلى الله عليه وسلم يقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة».

لأن السر في الكرم بالقيل هو تعويد النفس على البذل حتى تكون يدا عليا، وهي خير من اليد السفلى كما صح في الحديث.

ومنها إدخال السرور على أخيك المسلم؛ لشعوره أنك واقف معه حتى في ضرائك وفقرك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفضل الأعمال بعد الفرائض إدخال السرور على المؤمن».

ومنها اكتساب مودته ومحبته التي هي سبب لدخول الجنة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».

صفح وعفو

والهدية سبب رئيس للتحاب، فإنها تذهب وحر الصدر، وتعمل على الصفح والعفو، كما قال صلى الله عليه وسلم: «تهادوا فإن الهدية تذهب وحَر الصدر، ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فرسن شاة».

ناهيك عن أنها عند الله كثير، فإن الله يجزي على مثقال الذرة، ولا يضيع أجر من أحسن عملا، وإن تكُ حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه أجرا كبيرا كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}.

فإن كان ذلك في شهر مضان كانت المضاعفة أكثر وأكبر كما ورد في حديث سلمان رضي الله عنه «من تطوع فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة»

أجر عظيم

ولا يعني ذلك التقليل من شأن كثير الصدقة؛ فإنها عند الله أعظم أجرا وأكثر فضلا؛ لعظيم نفعها وكبير أثرها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب ذلك ويثني على صاحبها كما قال في سيدنا عثمان رضي الله عنه حين جهَّز جيش العُسرة، وجاء بألف دينار ففرغها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّبها ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم» قالها مرارا.

فإذا جاد أحد بمزيد عطاء في هذا الشهر الكريم؛ فإن نفعه يكون عظيما؛ لكثرة حاجات المسلمين في هذا الشهر، وتأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان جوده في هذا الشهر كالريح المرسلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات