مواساة المحتاجين أفضل أبواب الجود في الشهر الكريم

ورد في حديث سلمان في الترحيب بشهر رمضان أن هذا الشهر شهرُ المواساة، أي مواساة المحتاجين بما تجود به النفس من الخير والفضل، والناظر لهذا الشهر الكريم يجد أن الناس يسارعون فيه إلى مواساة إخوانهم المسلمين، فلا يتردد أحد يجد من نفسه القدرة على بذل ما يقدر عليه إلا فعل، فهذا يواسي بالمال، وذاك يواسي بالطعام، وآخر يواسي بفعل الخير، ورابع في الصلة ... وهكذا فلا تجد أحداً في هذا الشهر الكريم إلا وهو مواسٍ ومواسىً، وهذه هي حال المسلم المسارع إلى الخيرات، المبتغي فضل ربه، في أشرف الأوقات، فإن المواساة تعني أن يكون المجتمع كله كأنه بيت واحد، فيواسي بعضهم بعضاً في السراء والضراء.

لذة العبادة

وأجلُّ أنواع المواساة أن ننظر إلى ذوي الحاجة ومن يتطلع إلى ما في أيدينا من الخير فنواسيه بما نقدر عليه من قليل أو كثير، حتى يعيش في رمضان سعيداً شاعراً بلذة العبادة، وسعيداً بأواصر المجتمع المتراحم، وذلك هو شأن المؤمنين الذين هم إخوة وأمة واحدة كما وصفهم الله تعالى بذلك حين قال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} وقوله جل شأنه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فهم أمة واحدة، والواحد يأسى لبعضه ويفرح له، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

تقوى الله

وقد كان المسلمون كذلك في جميع مراحل حياتهم كما روى جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قصة الأعراب الذين وفدوا وهم حفاة عراة مجتابو النِّمار أو العباء، متقلدو السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمَعَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: «{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} إلى آخر الآية، {إن الله كان عليكم رقيبا} والآية التي في الحشر: {اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله} تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره - حتى قال - ولو بشق تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس، حتى تهلَّلَ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه مُذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».

فهكذا شعر كل واحد بمسؤوليته تجاه إخوانه المسلمين فقام بواجبه معهم بما يستطيع فعله من قليل أو كثير.

ثواب واحد

وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّوِيَّة، فهم مني وأنا منهم».

فانظر كيف نالوا شرف الانتساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - نسبة مكانة لا نسبة نسب - لأنهم كانوا يتواسون عند الحاجة ولا ينفرد أحد منهم بما يملك، وهو الهدي الذي كان صلى الله عليه وسلم يندبه لأمته كما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد، فليعد به على من لا زاد له»، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.

وهكذا يكون حال المؤمنين في كل زمان ومكان، ولكنه في شهر المواساة والتقرب إلى الله تعالى يكون ذلك أشد وأولى، فإن النافلة فيه كالفريضة في غيره، والفريضة كسبعين فريضة فيما سواه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات