جزء بياني من ركائز القصيدة

وصف الرحلة.. إبداعات شعرية خلَّدتها الدواوين

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

 

الارتحال انتقال من عالم تسوده الرتابة إلى عوالم تحفل بالحيوية والدهشة، وحين يعتريك في مكانك السأم، ترحل إلى أمكنة لم ترَها من قبل، أو بَعُدَ عهدُك بها، لتجلو بصرك بمشاهد جديدة، وتتنسَّم هواءً يبعث فيك الألق، وتتعرف إلى أناس يفتحون لك آفاقاً واسعة على الكون، بعدها تعود إلى دنياك الأولى، وتضع رحال السفر، لتشدَّها إلى رحلة أخرى في مسيرة الحياة.

تحاول هذه السطور القليلة أن تعرض لنموذجين مختلفين من الشعر كان وصف الرحلة محوراً رئيساً فيهما، أولهما نص ينتمي إلى العصر العباسي، استعمل فيه الشاعر أبو فراس الحمداني لغة تميل إلى السلاسة والسهولة، واصفاً رحلة صيد انطلق فيها مع بعض أصحابه، واعتمد في إيقاع نصِّه الموسيقي نظام القافية المزدوجة الذي يتوافق فيه كل شطرين في قافية واحدة تخالف ما بعدها، وارتكز أسلوبه على تقنية القصص والحوار، فنسمعه يقول في بدايات قصيدته حاكياً مرحلة الاستعداد للرحلة وتجهيز الصقور وكلاب الصيد:

أنعتُ يوماً مرَّ لي بالشَّامِ

                        ألذَّ ما مرَّ مِنَ الأيَّامِ

دعَوْتُ بالصقَّارِ ذاتَ يومِ

                       عندَ انتباهي سحَراً مِنْ نومي

قُلتُ لهُ: اخترْ سبْعَةً كِبارا

                        كلُّ نجيبٍ يَرِدُ الغُبارا

يكونُ للأرنبِ منها اثنانِ

                       وخمسةٌ تُفرَدُ للغزلانِ

واجعلْ كلابَ الصَّيْدِ نوبتَيْنِ

                       تُرسلُ منها اثنينِ بَعْدَ اثنينِ

وتموج القصيدة بالحركة مصوِّرةً لنا عبث الرفاق وصياحهم، لاهين لاعبين، بلا نظام يحكمهم، ولا تقاليد تُقيِّدهم، وقد ارتسمت السعادة على وجوههم، في رحلتهم الشائقة ذات الليالي السبع:

ثُمَّ انصرفنا والبِغالُ مُوقِرَهْ

                       في ليلةٍ مثل الصباحِ مُسْفِرَهْ

حتى أتينا رَحْلَنا بليلِ

                       وقدْ سُبِقْنا بِجيادِ الخَيْلِ

ثُمَّ نزلْنا وطرحْنا الصَّيْدا

                       حتى عددْنا مئةً وزَيْدا

فلَمْ نزلْ سَبْعَ ليالٍ عددا

                        أسْعَدَ مَنْ راحَ، وأحظى مَنْ غدا

ويبدو أن فكرة وصف الرحلة لم تظل حبيسة الشعر العربي القديم، بل انتقلت عدواها الطيبة إلى مراحله التاريخية المتعاقبة، لتلوح لنا في صور شتى بأساليب متنوعة، تسلك كل واحدة منها طريقاً إبداعية مميزة، وتتكئ على رؤية فلسفية راسخة، حتى نراها متجلِّيةً بخيالات لا حدود لها في نموذجنا الثاني الذي يمثل إحدى روائع علي محمود طه، ذلك الشاعر المصري الذي أدمن السفر والارتحال، إلى أن طغت أجواؤهما على كثير من نصوصه الشعرية، وصبغت طريقتَه التعبيرية بمسحة فنية ذات نكهة متميزة، فتَحْتَ عنوان «الملَّاح التائه»، يُبحر في أمواج من الرحيل اللامتناهي بأفكاره المختلطة وخواطره الحيرى، وفي حين يأخذنا أبو فراس الحمداني في رحلة واضحة التفاصيل والأحداث، يصطحبنا علي محمود طه إلى عالم من المجاز العاتي، تتراقص عناصره على إيقاع عروضي هادئ:

أيُّها الملَّاحُ قُمْ واطوِ الشِّراعا

                         لِمَ نطوي لُجَّةَ اللَّيلِ سِراعا

جدِّفِ الآنَ بنا في هينةٍ

                         وجهة الشاطئ سيراً واتِّباعا

فغداً يا صاحبي تأخذُنا

                        موجةُ الأيَّامِ قذفاً واندفاعا

عبثاً تقفو خُطى الماضي الذي

                        خِلْتَ أنَّ البحرَ واراه ابتلاعا

لمْ يكنْ غيرَ أويقاتِ هوىً

                      وقفتْ عنْ دورةِ الدَّهْرِ انقطاعا

تعليقات

تعليقات