تناولها شعراء برعوا في المنطق والفلسفة

النفس.. غموض يحفّز الإبداع لسبر أغوار الإنسان

كثيرةٌ هي الظواهر الغامضة في حياة الإنسان، وما أشدَّ دهشته وهو يتأملها بشغف، ويودُّ لو انكشفت له الحُجُب بينه وبينها، ليرى ما ظل خافياً عنه، ويفهم ما اقتضت حكمة الخالق، سبحانه وتعالى، أن يكون مغيَّباً، ولعلَّه يتوهَّم في لحظات عابرة أنه أدرك كل شيء سوى تلك الغوامض، حتى إذا نظر ذات مرَّة في مرآة ذاته، عرف أن نفسه البشرية هي أغمض الأسرار.

يبدو أن الغموض كان أحد محفزات الإبداع لدى شعرائنا العرب، وأن الرغبة الجامحة في سبر أغوار القضايا الغريبة والمثيرة للجدل أمست من عوامل نشاط الكتابة الشعرية عندهم، وكأنهم كانوا يسعون دائماً إلى تفسير ما عجز عنه العقل بواسطة الخيال، أو ربما غدا النص الشعري في عُرفهم مجالاً لوضع نظريات وتصوُّرات لا تقوم على أسس منطقية جافَّة، بل تتكئ على فيض غزير من الإلهامات الأدبية والإيحاءات المجازية.

ولقد كان لقضية النفس البشرية، بما يكتنفها من حيرة وإبهام، نصيبٌ لا بأس به من تلك المعالجة الفنية التي تجرَّأ على خوضها عدد من الشعراء البارعين، ولا سيما مَن اشتغل منهم بالمنطق والفلسفة، وقد لا يُعْيِي الباحثَ في التراث الشعري أن يقع على قصائد متعددة حاول أصحابها ملامسة هذه الفكرة في بعض أبياتها، إذ كان أمثال ذلك من المتوافر في بطون الدواوين والكتب الأدبية، لكنَّ الأَوْلى -في نظرنا- بالاهتمام وإعمال النظر تلك القصائد الفريدة التي تحوَّلت على أيدي مبدعيها إلى رؤية فلسفية متكاملة، بل أضحى بعضها متناً يُدرَّس، حاملاً بين طياته خلاصة ما بدا للشاعر الفيلسوف بعد تأمُّل وعناء، كما هي الحال في عينيِّة أبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا التي نالت شهرة كبيرة في تاريخ الفكر العربي.

ويتخيَّل ابن سينا في قصيدته النفسَ البشرية حمامةً رمادية، هبطت من عالم السموّ والعلياء إلى جسم الإنسان حيث الدنيا الحافلة بالمادِّيات، ويرى أنها لـمَّا أُمرتْ بالدخول في البدن كرهت ذلك، لأنها جسم علوي نوراني، فالبدن لا يناسبها، ومع ذلك فهي تفارقه حال الموت متفجِّعةً باكية، كأنها بعدما أنفتْ منه ولم تأنس إليه، اعتادت السكنى فيه، وألفت بقاءها داخله، وكان سبب ذلك نسيانها عهودها السالفة في عالم الأرواح، وركونها إلى العيش في الدنيا الفانية:

هبطَتْ إليكَ مِنَ المحلِّ الأرفعِ

                       ورقاءُ ذاتُ تعزُّزٍ وتمنُّعِ

محجوبةٌ عنْ كُلِّ مُقلةِ عارفٍ

                      وهي التي سفرَتْ ولمْ تتبرقعِ

وصلَتْ على كُرْهٍ إليكَ، وربَّما

                      كرهَتْ فراقَكَ وَهْيَ ذاتُ تفجُّعِ

أنِفَتْ وما أنِسَتْ، فلمَّا واصَلَتْ

                      أَلِفَتْ مُجاورةَ الخرابِ البَلْقَعِ

وأظنُّها نسيَتْ عُهوداً بِالحِمى

                       ومنازلاً بِفراقها لمْ تقْنَعِ

 

هذا وإن أمير الشعراء أحمد شوقي أثارت وجدانه قصيدة ابن سينا، فأبى إلا أن يعارضها على الوزن والقافية، فأخذ يستولد من معاني ابن سينا المكثفة رؤى تصويرية تكون أقرب إلى ذوق المتلقي، وأدعى إلى طربه واستحسانه:

ضُمِّي قِناعَكِ يا سُعادُ، أو ارفعي

                      هذي المحاسنُ ما خُلِقْنَ لِبُرْقُعِ

يا دُميةً لا يُستزادُ جَمالُها

                     زيديه حُسْنَ الْمُحْسِنِ المتبرِّعِ

ماذا على سلطانِهِ مِنْ وقفةٍ

                     للضَّارعينَ، وعَطْفةٍ للخُشَّعِ

ذهبَ ابنُ سينا، لمْ يَفُزْ بكِ ساعةً

                    وتولَّتْ الحُكَماءُ، لمْ تتمتَّعِ

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

تعليقات

تعليقات