كأس العالم 2018

الاعتذار.. روعة شعرية ذات تصويـرات متألقة

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

في أعراف البشر قيم أخلاقية نبيلة، يشتركون فيها اشتراكَهم في الحياة، وُلدت من رحم التجارب والعلاقات الاجتماعية الكثيرة، منها ما عُرف ابتداءً، كالصدق والسماحة والبر، لكنَّ بعضها لم يكن ليحيط به تصوُّر الإنسان إلا بعد اقتراف الخطايا، فهو كالصُّبح لا تبصره العيون إلا بعد الليل، وكالارتواء لا تُدرَك لذتُه إلا بعد الظمأ، كذلك الاعتذار لا تُدرى قيمته إلا بعد الذنب.

من القضايا اللافتة في شعرنا العربي قضية الاعتذار، التي نبغ فيها شعراء، أشهرهم النابغة الذبياني، وأتقنوا أداءه بقدرة بلاغية عالية، وتمرَّسوا السباحة في خضم صعوباته الفنية. ومن الاعتذارات المؤثرة ما جاء على لسان الحطيئة بعد أن حكم عليه بالسجن لهجائه الزِّبْرِقان بن بد،ر لينطق بأبيات اعتذارية جزلة موجزة، حرَّكت قلب الخليفة الفاروق فعفا عنه وصفح، وقد تجلَّت فيها موهبته التي طالما استعملها في إيذاء الناس، ليصنع منها لوحة من الندم والحسرة، تكتنفها حالة من الشفقة تجاه أبنائه الذين لا عائل لهم سواه، إذ صوَّر فقرهم من بعد غيابه كأنهم صغار طير حمر الحواصل، لم يَكْسُ الريش أجسامها بعد، أعياها الجوع والعطش:

ماذا تقولُ لِأفراخٍ بِذي مَرَخٍ

حُمْرِ الحواصلِ، لا ماءٌ ولا شجرُ؟

ألقَيْتَ كاسبَهم في قَعْرِ مُظلِمةٍ

فاغفرْ، عليكَ سلامُ اللهِ يا عُمَرُ

وكعادةِ الشعر، يتكرر الموقف الإنساني الواحد تجاهه، فتتجدد أساليب تعبيره وطرائقه، ليُثبتَ لنا شعراؤنا العرب أن قرائحهم الحافلة بالمعاني الشعرية المتشعِّبة، قادرةٌ على الابتكار والتطوير واستيلاد الفكرة من أختها، فهذا الشاعر الأندلسي ابن زيدون يتعرَّض لشيء مما اعترى الحطيئة، عندما سجنه أبو الحزم بن جهور، حاكم قرطبة، فحُرِمَ العيش بين أهله وأحبابه، ولم يجد في غيابة السجن إلا الشعر جليساً مؤنساً، حينها نظم قصيدة عصماء افتتحها بالغزل والذكرى، وضمَّنها الاعتذار غرضاً رئيساً، ارتسمت في ملامحها الإبداعية براعة لا نظير لها في التلاعب بالأغراض الشعرية ومزج بعضها ببعض، فنرى اعتذاره مطُعَّماً بالمدح، ولكنه مدح على نحو مختلف، ربما كان نتاج ظروف وثقافة أفرزتها بيئة الأندلس الخصبة، إذ تختفي منه معاني الشجاعة والكرم والإباء التي أولع بها المدَّاحون من قبل، لتطفو على المشهد معاني التسامح والمسالمة وكرم النفس:

الكاظمُ الغيظِ ينسابُ الضَّميرُ لهُ

لولا الأناةُ سقاهُ مِنْ دمٍ هَدَرِ

ذو الشِّيمةِ الرَّسْلِ، إنْ هيجَتْ حفيظتُهُ

والجانبِ السَّهْلِ والمستعتَبِ اليَسَرِ

مَنْ فيهِ للمجتلي والمبتلي نَسَقَا

جمالِ مرأى عليهِ سَرْوُ مُختَبَرِ

هبْني جَهِلْتُ فكانَ العِلْقُ سيئةً

لا عُذرَ منها سوى أنِّي مِنَ البشرِ

إنَّ السِّيادةَ بالإغضاءِ لابسةٌ

بهاءَها، وبهاءُ الحُسْنِ فيالخفَرِ

تعليقات

تعليقات