#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

ارتبط ذكرها بالشوق والحنين

الحمامة.. طائر وجداني أثار شجون الشعراء

منذ بدء الخليقة، حاول الإنسان اكتشاف الكائنات من حوله، باحثاً عن أسرارها، ومتتبعاً سلوكها وطريقة حياتها، فعرف حجم الاختلاف بينه وبينها، متوهماً أنه امتاز عنها في كل شيء، وأن حظها مما أوتي من الإنسانية منعدم، ليلاحظ بعد أمد أن ثمة تشابهاً يربط بينه وبين كثير من تلك المخلوقات، التي تشترك معه في المشاعر والأحاسيس، كما تشاركه الحياة على هذه الأرض.

يبدو أن علاقة قديمة ربطت الشاعر العربي بالحمامة، ومن أقدم النصوص الشعرية التي حفظت لنا هذه العلاقة قول أميَّة بن حُرثان بن الأسكر، وهو شاعر جاهلي أدرك الإسلام، يصف اشتياقه هو وامرأته إلى ابنهما كلاب بعدما رحل إلى البصرة:

لِمَنْ شيخانِ قد نشدا كلابا

                           كتابَ اللهِ، إنْ حَفِظَ الكتابا؟

إذا هتفَتْ حمامةُ بطنِ وجٍّ

                           على بيضاتِها، ذكرا كلابا

تركْتَ أباكَ مُرعشةً يداهُ

                           وأمَّكَ ما تسيغُ لها شرابا

لقد علَّق الشاعر تذكُّر ابنه وحنينه إليه بتعطُّف الحمامة وحنانها على بيضاتها، وهذه العلاقة دفعت كثيراً من الشعراء إلى الاقتراب من هذا المخلوق الجميل، وتناوُله بأكثر من أسلوب، فتستهويهم صورة الحمامة الخِلقية حيناً، فيصفون ريشها بالرقة والنعومة المفرطة، متخيلين منقارها كأنه شفةٌ مصبوغة، ورجليها كأنما أُلبستا نعلين مصنوعتين من المرجان، على نحو هذه الصورة الفنية التي أبدع رسمها أحد شعراء القرن الخامس الهجري، أبو علي إدريس بن اليماني:

وُرْقٌ مطوَّقةُ السوالفِ سندساً

                        لم يحكِ صنعتَها حياكةُ حاكِ

تشدو على خُضرِ الغصونِ بألسنٍ

                        صُبغَتْ ملاثمُها بلا مسواكِ

وكأنَّ أرجُلَها القوانيَ أُلبسَتْ

                         نعلاً مِن المرجانِ دونَ شِراكِ

وكأنَّها كُحلتْ بنارِ جوانحي

                          فترى لأعينِها لهيبَ حشاكِ

وبهذه المقطوعة الشعرية الراقية ذات التشبيهات الأنيقة، بُهر عدد كبير من الشعراء أصحاب القرائح الفذة، فأخذوا يعارضونها بنماذج من إبداعاتهم التي خلَّد ذِكرَها في تاريخ الأدب العربي علوُّ مكانتها بين غيرها من الأشعار، والتي بلغت في جودتها أن حيَّرت كل ناظر في الشعر لأيِّها يحكم بالسبق، على أن ما فاضت به شاعرية يحيى بن هذيل يُعدُّ من أرقاها وأعذبها:

ومُرِنَّةٍ والدَّجْنُ ينسجُ فوقَها

                         بُرْدَيْنِ مِن طلٍّ ونَوْءٍ باكِ

مالتْ على طيِّ الجناحِ وإنَّما

                         جعلتْ أريكتَها قضيبَ أراكِ

وترنَّمتْ لَحْنَيْنِ قد حلَّتْهُما

                          بغناءِ مُسمِعةٍ وأنَّةِ شاكِ

ففقدتُ مِن نفسي لفرطِ تلهُّفي

                          نفسَ الحياةِ وقلتُ: مَن أبكاكِ؟

ويلاحَظ أن أبا علي اليماني ارتكز في تصوير الحمامة على أوصاف مرئية تخاطب النظر، شكَّلها من أصباغ متباينة جعلتها أوضح في التخيُّل، وعبَّر عن بعضها بالتصريح بألوانها (خُضر الغصونِ، القواني)، وعن بعضها الآخر بالإشارة إلى أشياء تُعرف بشهرة ألوانها (صُبغَتْ ملاثمُها، المرجان، نار، لهيب)، في حين استند يحيى بن هذيل في التصوير إلى أوصاف صوتية تخاطب السمع (لَحْنَيْنِ، غناء، أنَّة)، وزاد على صاحبه أنه شخَّص الحمامة وجعل يناجيها ويسألها: «مَن أبكاكِ؟».

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

تعليقات

تعليقات