الألغاز الشعرية:

فنون أدبية أيقظت العقول وحرّضت الأفهام

كثيراً ما تبدو الأفكار في صورة الهواء، سهلةً، ساذجةً، مبتذلةً، مما يبعث النفوس على الزهد فيها، فإذا اكتسبت شيئاً من العمق، وتلبَّست بقدْر من الغموض، واستترت بحجاب شفيف من الإبهام، بَدَتْ للأنظار أبهى وأزهى، ونهضت الهمم لقطفها، وأخذت سهام الفكر تتناوشها، ورأتها صيداً ثميناً، وغدا الكلُّ ساعياً إلى تحصيلها ليُقدِّم دليل ذكائه، لكنَّ العبقرية تبقى محفوظة لعقل من صاغ الفكرة.

ربَّما دار مثلُ هذا الرأي في أذهان شعرائنا العرب القدماء، أو كان هو داعيَهم إلى الدخول إلى عالم الأحاجي والألغاز من بوابة الشعر، وكانت بوادر ظهور هذا الاتجاه لديهم أن وقعت في أشعار العرب الأوائل بعض الأفكار الغامضة، التي تستدعي اجتهاداً في الفهم والتفسير، ولم يُقصد من مثل هذه المعاني الشعرية عندهم الألغاز، بل جاءت عفو خواطرهم، وسُميت «أبيات المعاني»؛ لأنها تحتاج إلى أن يُسأل عن معانيها، ولعل من أشهر الشواهد السائرة في كتب الأدب على هذا الفن قول أبي العلاء المعرِّي يصف إبرة:

سَعَتْ ذاتُ سُمٍّ في قميصي فغادَرَتْ

                                   بهِ أثراً، واللهُ شافٍ مِنَ السُّمِّ

كَسَتْ قيصراً ثوبَ الجمالِ وتُبَّعاً

                                  وكسرى، وعادتْ وَهْيَ عاريةُ الجسمِ

ومع بداية القرن السابع الهجري، ازدهر ذلك اللون الشعري، وزاد ولع الشعراء المتأخرين به، لتثور حوله آراء نقدية شتى، منها ما أخرجه من حد البلاغة ونفى عنه كل قيمة إبداعية، وهناك وجهات نظر أخرى وجدت فيه صنفاً من صنوف الأدب يمتُّ إلى الطرافة بسبب، لما فيه من الرمزية التي تشير إلى ما في النفوس بطريق التلميح لا التصريح.

ولعلنا في هذه السطور نخلص من الخلاف في هذه القضية، حين تناول أشعار الألغاز من وجهة مختلفة، نبصر فيها قدرات الشعراء وتفاوتها في وصف الشيء الذي ألغزوه، ونتأمَّل من خلالها كيف نجح بعضهم في تصوير الفكرة الواحدة التي أرادوا تقريبها للعقول بأساليب متنوِّعة، مستخدمين حِيَلَهم التعبيرية في نطاق واسع من الجرأة البيانية المدهشة.

فهذا شرف الدين الأنصاري يصوغ بيتين من الشعر في هيئة لغز في باب، فيصفه على هذا النحو الظريف:

ما واقفٌ بالمخرجِ

               يذهبُ طوراً ويجي

لستُ أخافُ شرَّهُ

               ما لم يكنْ بمُرْتَجِ

بينما يتوسَّع محيي الدين بن عبد الظاهر في تعديد أوصاف الباب تيسيراً للمتلقي من جهة، وشحذاً لهمته في التفكير من جهة أخرى، فيخلط بين الباب بمعناه الحقيقي، والباب المجازي في الكتب الذي ينقسم إلى فصول، وكذلك بين الباب المفرد والباب المكوَّن من مصراعين، ويلجأ في تقريب الفكرة إلى حيلة تتعلق بالكتابة، وهي أن كلمة «باب» تُقرأ من الجهتين سواءً، وإذا وقع فيها التصحيف صارت الباء نوناً، فأصبحت «بان»:

أيُّ شيءٍ تراهُ في الدُّور والكُتْــ

ــبِ مجازاً هذا وذاكَ مُحَقَّقْ

 

هو زوجٌ وتارةً هو فردٌ

وَهْوَ في أكثرِ الأحايينِ يُطْرَقْ

 

وطليقٌ في نشأتَيْهِ ولكنْ

بِحديدٍ مِنْ بَعْدِ ذاكَ يُوثَّقْ

 

وَهْوَ في القلبِ يستوي وتراهُ

بانَ تصحيفُهُ لِمَنْ يترمَّقْ

 

فأجبْني عنهُ بقيتَ مُطاعاً

لستَ في حلْبةِ الفضائلِ تُسْبَقْ

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

تعليقات

تعليقات