شن: الحرف العربي.. روعة التكوين ترسمها عبقرية الخط

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

 

جماليات الخط العربي، وقوة الحرف النابضة بالشفافية، التي تعبر الروح وتنشرح لها الأنفس، ويقف أمامها المشاهد مشدوهاً يفكر في دقة الكتابة، وروعة القصبة، وعبقرية الخطاط، كانت وراء زيارة شن انجان إلى دولة الإمارات للتعرف على عمق التكوين في هذا الفن العريق، الذي سرى في العالم عبر الفتوحات، التي نشرت الإسلام حتى وصل إلى الصين قبل أكثر من ألف عام في عهد أسرة تانغ الملكية، حيث بدأ الصينيون يدينون به، ويتعلمون تعاليمه عن طريق تلاوة القرآن الكريم ودراسة الحديث النبوي الشريف. وفي الوقت نفسه أخذوا يتعلمون اللغة العربية قراءة وكتابة بطريقتهم الخاصة.

لغة عالمية

وخلال زيارتها لمركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري، انضمت شن انجان إلى إحدى الجلسات الجماعية التي تناقش العديد من المحاور المتعلقة بالثقافة المحلية والإسلامية في إطارها المجتمعي، وقالت: أعشق تكوين الحرف العربي وإنسانيته التي تختلف تماماً عن الكتابة باللغة الصينية الضاربة في القدم. وعلى الرغم من انتشار فن الخط العربي بين المسلمين الصينيين منذ أكثر من ألف سنة، وظهور خطاطين كثيرين للغة العربية في كافة الأماكن عبر مراحل التاريخ المختلفة، ظل تعلم هذا الفن الرائع مقتصراً على المساجد أو الدوائر التعليمية الأهلية، ولم يجد فرصة لدخول المدارس الرسمية لكي يتعلمه الطلاب المسلمون وفقاً للمناهج التعليمية المقررة. كما أنه لم تكن هناك قواعد أو نظريات محددة لهذا الخط، فراح كل خطاط يكتب اللغة العربية كما يشاء، وكان من نتيجة ذلك أن بقي فن الخط العربي بالصين في مستوى منخفض من دون اتجاه واضح للتطور.

أسلوب صيني

وتضيف شن: اليوم نجد الخط العربي في الصين قد أصبح نوعاً من الفنون الجميلة الصينية، يمارسه الخطاطون المسلمون، وهم يكتبون كلمات اللغة العربية على ورق «شيوان» (ورق صيني فريد يستخدم خاصة للرسم والخط)، ويستخدمون «موه تشي» (حبر صيني خاص)، ثم يصنعون أعمالهم في شكل لفائف حسب مقاسات محددة، ويطبعون عادة على أسفل كل عمل صورة حمراء لختمهم الخاص، وكل هذا يتفق تماماً مع ممارسات الرسامين والخطاطين. أما ترتيب الكلمات أو العبارات العربية المكتوبة على الورق فهو يمثل توزيع الكلمات العربية الأساسي في الكتابة، ولكنه يحمل أيضاً ألواناً من الأسلوب الصيني التقليدي في كتابة الكلمات الصينية، وبالتالي تمتاز أعمال الخط للخطاطين المسلمين الصينيين بقوة تعبيرية جديدة، تختلف في أسلوب التعبير عن أعمال الخط للخطاطين العرب.

رموز مجتمعية

وتضيف شن إن تقاليد المجتمع الإماراتي المحافظ والعاشق للموروث في ظل نهضة تنموية عظيمة الأثر والتأثير في تعزيز الروابط المجتمعية، وبالتالي إعطاء فرصة لجيل الشباب والمقيمين من كافة الجنسيات ليتعرفوا على التقاليد الغنية التي تعبر عن النشاط الإنساني الثقافي والاجتماعي في الماضي، مع المحافظة على الهوية الوطنية ورموزها الحضارية بنكهة محلية خالصة يحتفى بها في كل مناسبة وطنية.

دعم الفنون

وترى شن أن دولة الإمارات، من بوابة التسامح والانفتاح على كافة الحضارات، تكرس كافة جهودها لدعم الفنون وتراثها المفعم بالقيم المادية وغير المادية، والثقافة في معناها الواسع تعبير ذاتي عن العالم، سواء كان ذلك التعبير منبثقاً عن الفرد أو الجماعة، سواء ما كان منها مادياً يتصل برؤية الإنسان لعالمة الملموس، وتعبيره عنها، وترجمته إياها واقعاً محسوساً يتمثل بالعمائر والمدن والمواقع الأثرية المختلفة، أو ما كان منها غير مادي يتجلى في أشكال التعبير المختلفة عن الوجدان الفردي والجماعي للمجتمعات وغيرها من التعبيرات العفوية والتلقائية.

في سطور

الاسم: شن انجان

العمر: 35

المهنة: أمينة متحف

الهواية: الموسيقى

الجنسية: الصين

الخط والكتابة وجهان لعملة واحدة، وهما عصارة فكر الإنسان، الذي فكر في الإبداع منذ الأزل، وسيبقى يفكر في خلود الذكر والأثر إلى الأبد. ونظراً لقيمة الخط، فإننا نرى الخطاط مثلاً يكتب حكماً أو أمثالاً أو آيات قرآنية، فيزيد جمالها جمالاً في روعة خطه، وعصارة إبداعه، وإذا كانت اللوحة المخطوطة تحرك القلوب بنصّها، فإن الخطاط يهز مشاعر المشاهدين بجمال عطائه، ولذلك لم نجد خطاطاً واحداً كتب كلاماً سخيفاً ليزيّنه بجمال خطه، فالجمال لا يقع إلا على الجمال.

التضاد والتباين

تقول شن: من خلال دراستي للفنون الإسلامية، والخط العربي على وجه التحديد، أجد نفسي منجذبة إلى فكرة التضاد والتباين في تكوين الحرف، الذي يعد من أهم العلاقات الجمالية في العمل الخطي، ويمكن من خلاله عرض المفردات الخطية في التكوين الخطي ومحتوياته بطريقة تجعل العناصر المهمة قابلة للظهور بشكل واضح ومتميز. وهو ما يساعد على إمكانية استثمارها لتحقيق السيادة، وإرشاد المتلقي إلى هدفه، وتمنحه وحدة الفكرة ضمن الإطار العام. ومن المهم القول إن الانسجام التام هو سلبي ولا يجذب المتلقي في حين يعد التضاد من أكثر أنواع التنظيم شيوعاً ومصدراً من مصادر التنويع والحيوية، ويضفي عليه توازناً منشأه التعادل بين الأضداد، ما يفسر في الوقت نفسه وحدة القوى المتصارعة، التي تحقق بدورها للمتلقي المزيد من المتعة البصرية التي تغذي الحواس.

منهج السعادة

تعتقد شن أن الإنجازات النوعية، التي حققتها دولة الإمارات في مجال العمل الإنساني هي انعكاس لمجتمعها الذي يتبنى فكراً متسامحاً، وينطوي على أبعاد قوية يمكن أن نجمعها في كلمة واحدة، وهي الاعتراف. فكل مواطن ومقيم ملزم الاعتراف بالآخر، سواء كان مماثلاً له أو مختلفاً عنه، وأن يؤمن بحق كل شخص في العيش وفق قناعاته في هذا المجتمع الآمن، الذي تسوده علاقات التفاهم والتعايش، حيث يسعون للعيش بكرامة وسلام، وتحقيق طموحاتهم ومصالحهم بذكاء عاطفي واجتماعي منظم للذات، يراعي المشاعر، ويعتمد على مرجعية متينة يمارس صاحبها تفكيراً إيجابياً وحذفاً للملفات والمشاعر السلبية، فهناك علاقة وثيقة بين التسامح من جهة، والسعادة والرضا، حيث تساهم الجاليات في رسم معالم الثقافة بما يخدم منهج الدولة والإنسانية بكل تجلياتها. قد تبدو هذه النقطة في غاية الإشكالية بالنسبة للعديد من البلدان، أي كيف لبلد يضم كل هؤلاء المختلفين عنه في العادات والتقاليد أن يجعلهم يسيرون جميعاً وفق منهجه، وما يريده هو في الحاضر، ومن أجل المستقبل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات