كاثرين.. إيقاع دبي المنضبط أسلوب ريادي

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

تجوب كاثرين، التي تجاوزت الثمانين من عمرها، العالم عبر أسفارها من المحيط إلى المحيط، قطعت خلالها آلاف الكيلومترات، كلما سنحت لها الفرصة، فهي ما زالت تعمل في مجال إدارة الأعمال والشركات الناشئة، ولم تتوقف يوماً عن الاستيقاظ باكراً، والذهاب إلى النادي الرياضي أو ركوب الدراجة، قبل الذهاب إلى العمل في الموعد المحدد، وفي مقاربة طريفة بين نمط حياتها وبين مدينة دبي، خلال وجودها بإحدى جلسات مركز محمد بن راشد للتواصل الحضارية تقول: «أعتقد أن روتيني اليومي يشبه إيقاع الحياة في دبي، الانضباط والديناميكية يسودان الموقف، ربما على الانتقال والعيش هنا!».

لغو الصيف

تضيف كاثرين، التي لا تقبل أن تشيخ أبداً، أنها تعشق تكوين صداقات واكتشاف ثقافات أخرى منذ نعومة أظفارها، وأنها التقت لأول مرّة بأحد من الشرق الأوسط كانت لا تزال في العشرينيات من العمر، وهي جارة لها انتقلت وعائلتها للعيش في الولايات المتحدة، كانت مرحة ورقيقة جداً، تتقن سرد الحاكيات والقصص، وأهدتني كتاباً «لغو الصيف» من تأليف طه حسين، مترجم للغة الإنجليزية، وكان لهذه الكتاب أكبر الأثر في تكوين شخصيتي المتوازنة إلى يومنا هذا بين الجد واللهو، فالكاتب عبر هذا الكتاب وعبر عناوين وموضوعات متنوعة هي أبعد ما تكون عن اللغو يأخذنا في رحلة نعاين فيها مواطن الشدة واللين، ونقف على أطلال طروادة، ونضع أيدينا على سرِّ الخيال العاقل، وأسرار الحب والفن، نتأمَّل واقعنا الاجتماعي ونبتكر الحلول الممكنة للارتقاء به، نُبصر أنفسنا في مرآة الحاضر تارة وفي مرايا الماضي تارة أخرى لنكتشف وجهنا الحقيقي، ونعيش الانسجام مع ما حققناه وما نرنو إليه.

رسالة سلام

وعن حقيقة التسامح التي لمستها في الإمارات، تقول كاثرين: «بكل تأكيد، هو واقع معيش في كل الأوقات، ورسالة محبة وسلام لكل شعوب الأرض، من هذا البلد الذي يسوده التوازن في كل الأشياء والمعتقدات، فالأصالة هنا ليست رصيداً تاريخياً وحسب، وإنما هي الإرادة والقدرة الذاتية على الإبداع، والمعاصرة ليست ذوباناً في الراهن، وليست انسلاخاً من الجذور، وإنما هي تفاعل مستديم مع مستجدات العصر، وحضور فاعل وحيوي مع مشاغل العصر، فالإماراتيون يؤمنون بأنه ليس هناك معاصرة حقيقية بلا جذور ثقافية واجتماعية، وتلك علامتهم الفارقة، وعامل توازن يمنح المجتمع التفاعل المستمر مع الواقع، فالتقدم والرقي لا يأتيان من فراغ، وإنما يعتمدان على قيم وتاريخ، وينطلقان بهذه القيم والنماذج من أجل التقدم والتطور».

قيم إنسانية

ترى كاثرين أن التعايش بين ثقافات العالم المختلفة من القضايا المهمة على المستوى العالمي، حيث يتجدد الحوار بين الحضارات، بوصفه الطريق الأمثل لتحقيق التفاهم والتعايش السلمي بين الشعوب، لكونه حقيقة ملموسة يجب تعاطيها، انطلاقاً من سنة الوجود التي اقتضت أن يكون المجتمع الإنساني في شكل تجمعات بشرية، وهي إن اتفقت فيما يجمع بينها من وحدة الأصل والحاجة إلى التجمع والحرص على البقاء والرغبة في التمكن من مقومات الحياة والسعي في إقامة التمدن والعمران والتوق إلى الارتقاء والتقدم، فالتعددية والديمقراطية وحرية المعتقد وقبول الاختلاف في الرأي والفكر وثقافة الإنسان وتقدير المواثيق الوطنية واحترام سيادة القانون تعد خيارات وقيماً إنسانية ناجزة لا تقبل التراجع ولا التفريط.

جيل ما بعد الألفية

يواجه جيل ما بعد الألفية بشكل عام العديد من التحديات المستقبلية بدخوله عصر التحولات الاجتماعية واتساع رقعة المعلومات والإيديولوجيات العالمية، التي باتت تدوّن الآن تاريخاً متجدداً بلغة تفاعلية ذات إيقاع عصري من جهة، والمشاركة ضمن منظومة البرامج الحكومية ذات الصلة بقضاياه لتحقيق التوازن المؤثر في حراكه الاجتماعي من جهة أخرى، دون أن تفقد الثقافة الوطنية بريقيها ذا الأبعاد الإنسانية المستقاة من حضارة الأمة وموروثها وتقاليدها التي تعد من أهم المؤشرات العالمية لتحقيق السعادة وترسيخ ثقافة الانتماء والمواطنة الصالحة، واستشراف المستقبل الذي يفي بمطالباته الواعدة في إطار المتغيرات كافة، ما ينعكس إيجاباً على تطور المجتمعات وتحقيق الاستدامة المتكاملة.

وتعتقد كاثرين أن الغوص في أعماق الفكر المتغير شرقاً وغرباً وتقبل الإخفاقات هو السبيل إلى ذلك، إلى جانب تضميد السلبيات للخروج من مأزق التحديات بوضع الحلول والمخرجات والعمل على تطبيقها، فمن المهم جداً تقبل التناقضات والاختلافات بل على العكس تقديرها ضمن أسس المنظومة التنويرية المتمثلة في الحكومات التي تتبنى طرح قضايا متعددة في جميع المجالات، وإيجاد مساحات متوازنة لتخفيف التنافر المعرفي حين تصبح الأمور أكثر تعقيداً ويخرج المرء عن حدود الذات، حيث يتكون التواصل الإنساني من مناورات خفيّة بين التناقضات، مثال على ذلك التناقض بين ما يُقال وبين ما يُعبر في الغرب عن شعوب المنطقة العربية.

تراث شعبي

التراث الشعبي يشكل وجدان أي أمة، ويقوي ذاكرة الناس، ويجسد كل ما يتعلق بالهوية الوطنية، خاصة إذا كان الموروث كينونة حية في نفوس وعقول الناس، ويمدها بالقدرات والطاقات الخلاقة والمبدعة التي تسهم في البناء والتنمية، وبعد اطلاعي على أنماط الأزياء التراثية وما يقابلها اليوم من تغيرات لمست في العديد منها محاولة نبضات مشرقة لعصرنة قوالبها من المحلية إلى العالمية، واخترت أن أبتاع بعضاً من تلك التصاميم من الأسواق المنتشرة بالقرب من حي الفهيدي التي تحمل بين طياتها عراقة الماضي وألوانه وتفرده مع إدخال تعديلات وتغييرات شكلية باستخدام خامات وأدوات بسيطة تخلق نوعاً من التجديد، وتعبر عن الطابع الشخصي.

في سطور

الاسم: كاثرين لودال

العمر: 85

المهنة: موظفة

الهوية: السفر

الجنسية: أمريكية

الحراك الثقافي التفاعلي من وجهة نظري هو مؤشر السعادة والارتقاء في المجتمع الإماراتي بالأهداف والطموحات، فسعياً وراء التجارب المثالية التي تثري حياة المواطنين والمقيمين، يتطلعون للاستشراف المستقبل، تجمعهم المحبة والامتنان، والرؤى المحفزة إلى الإبداع في إطار المسؤولية المجتمعية التي هي روح المدينة النابضة بالخير للجميع، ولم يعد خافياً على أحد أننا نعيش في عصر تسارعت خطاه، وأننا لن نستطيع أن نواكب تحديات هذا العصر إلا بأدواته المعرفية الجديدة، ولا أن نلبي احتياجاته إلا بوسائله التقنية الحديثة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات