جاك.. عاشق «البراجيل» مكيفات الزمن الجميل

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

جلس جاك في هدوء تام ضمن فوج من السائحين والزائرين لمركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري، نظراته المحملة بالبراءة تطوف المكان، يطالع الأسقف غريبة الشكل، ويتساءل كيف صنعت وما فائدتها؟ وإلى ماذا يرمز ذلك البرج الطويل مستطيل الشكل الذي يشبه نوعاً ما أبراج الأجراس الإيطالية، وله فتحات في كل جانب، تسرق أصوات فلاشات الكاميرات ونقرات الهواتف المحمولة انتباهه مجدداً نحو عائلته التي تتجول في أروقة المبنى بحماس، فقد أصر الجميع بعد التصويت على قضاء هذا العطلة للمرة الأولى في دبي، بدلاً من الذهاب إلى تايلاند.

كل اللغات

أفكار متضاربة ورؤى ضبابية المشهد عالقة في ذهن جاك ابن الـ11 ربيعاً حول جمال المكان وبساطة الحوار المشرق بالمحبة والسلام الذي يدعو للطمأنينة وسط أناس ملامحهم عربية يرتدون جلابيب بيضاء طويلة جميلة، ولافتة، ولكنهم أيضاً يتحدثون الإنجليزية والفرنسية بطلاقة! هل كانوا يقيمون في بريطانيا أو في فرنسا؟ وتلك المرشدة التي ترتدي عباءة سوداء وتغطي شعرها بوشاح أزرق وهي تجيد الألمانية هل ولدت هناك؟ أنقذته إحدى المرشدات من حيرته وشروده المبرر لمن هم في سنه قائلة: «مرحباً يا جاك لماذا تجلس وحيداً؟ أود أن أعرفك إلى الكثير عن موطني دبي، فهل ترافقني في جولة؟».

البرج المستطيل

وبكثير من الفرح والدهشة قفز جاك من مجلسه ليرافق فتحية، المرشدة المسؤولة عن جولة اليوم، ولكنه باغتها بسؤال اعتقد هو أنه غير متوقع حول البرج العالي مستطيل الشكل الذي شاهده في المبنى وفي مبانٍ أخرى مجاورة في المنطقة نفسها، فهو لم يشاهد مثله من قبل.

قالت فتحية، وهي تحاول إثارة فضوله الصغير وحماسه لتلقي المعلومات: «عن أي مستطيل تتحدث؟»، ضحك جاك وقفز في مكانه مرات متكررة وهو يشير بسبابته إلى الأعلى: «هناك.. أنا أريد أن أصبح مهندساً معمارياً حين أكبر، لا يمكنني ذلك لو فاتني شيء عن هذا التصميم».

تبريد

اقتربت فتحية مبتسمة من جاك وأجلسته في موقع مميز من باحة المركز كي يستطيع تفحص «البراجيل» عن قرب قائلة: «حسناً يا جاك، أنت مغرم إذاً بالبراجيل، هكذا نسمي ذلك البرج المستطيل في الإمارات، وهي تمثل معلماً معمارياً مميزاً لمساكن الإمارات، حيث كان من الضروري في الماضي أن يوجد بالمسكن هوائي واحد على الأقل، وقد يزداد عددها إلى اثنين أو أكثر، حسب سعة المنزل والقدرة المالية لأصحابه، فهو بمثابه مكيف الهواء المحلي الذي تغلب به سكان الإمارات على المناخ القاسي ودرجة الحرارة المرتفعة، وهو خير مثال على إدراك ومعرفة أبناء الإمارات بالأحوال الجوية السائدة في محيطهم من حرارة ورطوبة واتجاه الريح، ويتكون من أربعة أعمدة، والهواء يهب على السطح فيمر عبر المنفذ إلى الداخل، بينما الهواء الساخن يرتفع للأعلى، ومع اشتداد حركة الهواء تتم عملية التبريد في الغرفة الخاصة حين تكون الرطوبة مرتفعة، وأطرافه عمودية، وتتم عملية التهوية بغض النظر عن اتجاه الريح».

سمك وبطاطا

قال جاك - وهو يحاول إقناع مرشدته فتحية بأن تتابع حديثها وتشبع فضوله نحو معرفة كل شيء -: هناك كثير من الأشياء التي تميز هذه المدينة العصرية التي تسابق الزمن، والتي تشبه في تفاصيل شوارعها وأجوائها العامة مدينة أكسفورد، لذلك أريد أن أتعرف إليها أكثر، إلى عاداتكم وتقاليدكم في التحية والسلام، هل تقدمون السمك والبطاطا وجبة رئيسة والشاي في تمام الساعة الخامسة؟ وهل تغيرت تقاليد الطعام التقليدية كما في موطني؟ حيث سادت في الماضي وجبة إفطار ثقيلة، واليوم فهي تشمل الحبوب مع الحليب والخبز المحمص مع البرتقال أو المربى، وتتناول العشاء في وقت مبكر ما بين 6 و8 مساءً.

وتوضح فتحية باهتمام تلك الأفكار التي يتناولها جاك قائلة: نعم يا جاك. وفيما يتعلق بالطعام الذي يمكنك شراؤه هنا في الإمارات، فهي أيضاً تمتلك تنوعاً هائلاً حيث تعيش على أرضها كثير من الجنسيات، وتهتم باحتضان كل عادات وتقاليد أهلها مع توفير كل مستلزماتهم، كما لو كانوا في مواطنهم الأم، ويعكس التنوع العرقي الموجود كما هو الحال في المجتمع البريطاني، إذ تحفل الكثير من الأسواق التجارية بمنتجات من آسيا وأفريقيا وجزر الكاريبي وأوروبا وأمريكا الجنوبية وبقاع أخرى من العالم. يهتم البريطانيون بصورة متزايدة بالمأكولات الصحية، لذلك تجد تشكيلة واسعة من المنتجات العضوية في المحال والأسواق التجارية، وهو الأمر الذي لا يختلف كثيراً في الواقع.

العقال والبرقع

تلتفت فتحية وتجذب كف جاك الشغوف بالمعرفة، فهو ينظر إلى ما حوله بقلبه الصغير وعقله النابض بشعلة التواصل لرؤى التسامح واحترام الآخر تترجمها الإمارات من خلال مبادراتها المتعددة: «جاك هل تحب أن ترتدي (الكندورة والعقال) الزي الذي يرتديه راشد هناك ويقف بالقرب من عائلتك ويساعد أختك سارة على ارتداء (البرقع)، هو في انتظارك فجميع تساؤلاتك الفضولية بكل تأكيد لها إجابات ممتعة وشيقة، ويمكن التعمق في أطروحاتها عبر حواسك جميعاً، ما رأيك أن تتذوق وجبة غداء على الطريقة الإماراتية؟»، تقول فتحية مخاطبة جاك، وهي تسلمه إلى المرشد راشد ضمن مجموعة من الزوار المترقبين لجلسة العادات والتقاليد التراثية الإماراتية.

الاسم: جاك رسل

العمر: 11

المهنة: طالب

الهواية: مطالعة كتب فنون العمارة

الجنسية: بريطاني

العمارة بالنسبة إلى جاك من الفنون التي لا تقدر بثمن، فهي مرتبطة بشكل أساسي بحياة الشعوب وتقاليدها العريقة، وعلى سبيل المثال يذكر جاك أنه شديد التأثر بالعمارة في موطنه، والتي تقوم على الفن القوطي، ووصفت بالأسلوب الشاعري في أوروبا، ويتسم بأن بعض عناصر الإنشاء تتجه إلى أعلى كالأقواس المدببة والأسقف حادة الانحدار، وقد بنيت القلاع والكنائس وقاعات البلديات في المدن وحتى المباني السكنية. ويقال المقصود بالقوطي المدبب والبربري، لقد كان تصميم المباني القوطية من عمل البنائين الذين كان لديهم معلومات هندسية تمكنهم من قيادة العمال المهرة في كل مواقع العمل في المحاجر والحدادة ومواقع البناء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات