"إكسبو".. أقصى الطاقات

دبي اليوم محرك أساسي للأفكار التنموية الاستشرافية الجديدة في المنطقة؛ وهي في مسارات الثقة والإيمان بالمستقبل، ومجالات العمل لأجله بهمة ومثابرة، محط أنظار العالم.

والإشارات التي ترسلها يتم استقبالها على نطاق واسع باعتبارها توجهات مستقبلية في القيادة والإدارة والاقتصاد والأداء الحكومي الناجع الفعال.

ويؤخذ هذا كله مؤشراً للقياس عليه من قبل نطاق عريض من الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص ومنظمات العمل العام والتنموي وأصحاب الحاجة، والعطشى إلى حلول مبتكرة، ويبنون تطلعاتهم واستراتيجياتهم بالنظر إليه، ويعتمدونه معطى موثوقاً وواعداً.

ويجتمع العالم، كل خمس سنوات، ويلتئم في أهم وأعرق معرض دولي هو «إكسبو»، للبحث عن التوجهات المستقبلية واستشراف الأساليب والأداء الناجع الفعال، واستكشاف المؤشرات الجديدة الحاسمة، والتنقيب عن الفرص الممكنة لخلق منظومة تكاملية بين الجهد الحكومي والقطاع الخاص والمبادرات الفردية، لجعل العملية التنموية مستقرة، وثابتاً تنضبط السياسات على أساسه، ويمكنه تحويل كافة قطاعات الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية بجوانبها العلمية والثقافية، إلى محركات متكاملة تعمل باتساق في نسق واحد، حيث تتحد الإسهامات بين كل أعضاء المجتمع الإنساني، بغض النظر عن انتماءاتهم الأيدولوجية، أو هوياتهم العرقية، أو انتساباتهم الجغرافية، أو مواقعهم من الاقتصاد والنظام الدوليين.

ثمة دور خلاق استثنائي يجمع بين دبي و«إكسبو»، على نحو طبيعي؛ «إكسبو» الدوري، ودبي صاحبة المهمة والهمة الدائمة في البحث عن المستقبل المشرق الجامع، الذي يشد البشرية بعضها إلى بعض تحت مظلة المسؤولية الإنسانية، تجاه مواطني العالم، ومستقبل الكوكب، من خلال التعاون والتشاركية بالتجارب والأفكار، وبما يبعدهم عن المسارات الانعزالية، التي تدفع الأمم إلى محاولة ضمان لحاقها بالمستقبل عبر فرض إرادتها ورؤيتها قسراً على الآخرين، أو اللجوء إلى العمل على تحقيق مصالحها بمعزل عن المصلحة الإنسانية المشتركة، وهو ما يقود، بالعادة، إلى النزاعات والحروب.

وهذه مهمة كبيرة، تتصدى دبي فيها لإعطاء مثال يثبت إمكانية تحقيق المصالح بفعالية، في سياق من التعاون والتشاركية، تحت سقف المسؤولية الإنسانية.

وتتصدى دبي لهذه المهمة من خلال استضافة «إكسبو»، المعرض الفكرة الذي بقي لعقود طويلة ساحة للتنافسات غير الفعالة. وها هي تتهيأ لإطلاق طاقات فكرة المعرض الأصلية الجامعة، وتحقيق هدفها الأساسي.

من هنا، تبدو هذه اللحظة، التي تجتمع فيها رؤية دبي وفكرة «إكسبو» الأصلية لحظة مثيرة في عمر البشرية، فيها مبادرة كبيرة من دبي، وفيها كذلك «إكسبو» جديد مختلف، وفيٌ لفكرته الأصلية، وملتزم بمستقبل البشرية.

زيارة إلى ميدان التحدي

هذه الأفكار تثير الكثير من الفضول حول «إكسبو 2020 دبي»، الجديد والمختلف، الواعد والمبشر، الذي يقدم الحلول المبتكرة والأساليب الناجعة، ويجمع العقول، ويوحد الجهود.

وهذا فضول لا تشبعه إلا زيارة ميدانية إلى موقع الاستعداد الهائل للحدث الدولي الأكثر احتواء على الأمل، الذي يشكل خلية عمل دؤوبة، لا تهدأ، ولا تتوقف عن الحركة، وتذهل كل من يتابع نشاطها بقدرتها على تحويل الهدف إلى خطة، والخطة إلى عمل، في مسار يقود إلى حدث استثنائي، غير مسبوق، ينقل «إكسبو» إلى مستوى جديد، يمثل طفرة تتجاوز كل تاريخه الممتد على ما يزيد عن قرن ونصف، شهد دورات كثيرة نظمتها دول لها مكانتها، ولها سبقها الحضاري.

فريق عمل «الرقم واحد»

أول ما يلاحظه الزائر لموقع «إكسبو 2020 دبي» هو الجدية التامة، التي لا تتخلى عن الحس الإنساني، والانضباطية العالية والمعيارية التي تلتزم بتحقيق أعلى مستويات الجودة في العمليات التحضيرية بأنواعها، والسيطرة المحكمة على مختلف العمليات في الموقع المليء بالعمل الإداري والتنظيمي والإنشائي ومختلف الأنشطة اللوجستية. وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، مستوى عالياً من التفاعل والكثير من لقاءات العمل التي تضمن الانسجام التام والتنسيق الفعال بين مختلف مستويات وأنواع فرق العمل الناشطة في الموقع.

ومما له دلالة رمزية هنا، أن هذه اللقاءات والاجتماعات تحتضنها قاعات مجهزة ومتنوعة، تحمل أسماء مدن إماراتية.

وهنا، في هذه القاعات، يتم يوماً بيوم التخطيط للعمل الكبير في مجال إدارة الاستعدادات وتجهيز الموقع للحدث، وكذلك في مجال الاتصال والتواصل مع الشركاء والعارضين وتأمين حاجاتهم، ومتابعة استعداداتهم لتأمين مشاركتهم بسهولة ويسر. وبالأساس ضمان أن يكون هذا العدد الكبير من العاملين والناشطين والمتعاونين والمتطوعين، من مختلف الجهات والمؤسسات والمنظمات والشركات المتعاقدة ليس فريقاً واحداً متناغماً فقط، ولكن كذلك عائلة واحدة متكاتفة، تتشارك العمل والطموح، وتتبنى نفس الهدف والعزيمة والإرادة.

هناك، في «إكسبو»، يجد المرء نفسه أمام فريق عمل يسعى بهمة للانتساب لـ«الرقم واحد».

على هدي «مبادئ دبي»

في واقع الأمر، تمنح زيارة موقع «إكسبو 2020 دبي» الزائر الإحساس بأن الفريق الذي كلفته حكومة دبي للإعداد لهذا الحدث الاستثنائي هو فريق «مبادئ دبي الثمانية»، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله؛ حيث الاستعدادات لا تسير بمعزل عن الأفكار الكبيرة، وتتوخى التفاصيل في النظر إلى ما تنجزه، وتستحضر في كل تفصيل أفكار وإرادة سموه، فلا تترك شيئاً للصدفة.

بلى، هناك، في موقع «إكسبو 2020 دبي»، تحضر أفكار سموه، ونهجه في العمل، كما يحضر نموذج دبي الفريد في التصدي للمهمات والطموحات الكبيرة، وقدرة هذا النموذج على توفير شروط ضرورية؛ أولها الأفكار والمهمات، عالمية ودولية النطاق، الكبيرة والاستثنائية. وثانيها، القدرة على تكوين فرق عمل فعالة كفؤة، موهوبة في توزيع الأنشطة والأدوار، متمكنة في تنظيم حركتها، وقادرة على الاضطلاع بالمهمات، ومواجهة التحديات، وإنجاز الأهداف.

الابتكار سيد الموقف

في موقع «إكسبو 2020 دبي»، الابتكار سيد الموقف. ليس فقط لأن طبيعة العمليات وحجم التحدي يفرضان ذلك، بل وأيضاً لأن هوية المشروع تجعل منه بيئة ملتزمة على نحو صارم بإيجاد حلول مبتكرة لكل معضلة، والإفادة الخلاقة من كل فرصة. بينما فرق العمل هناك تجتهد في أن تكون الاستعدادات والتحضيرات للحدث الاستثنائي تجربة ابتكارية بنفس المستوى، وهم عازمون على رفع رصيدهم من الحلول المبتكرة، التي سيقدمونها للعالم بنتيجة عملهم النهائية.

وفي الواقع، هذا ينطبق على كل شيء في ميدان التحدي بمشروع «إكسبو 2020 دبي»؛ سواء بما يتعلق بتصميم الموقع، أو الوظائف التي وضعت لكل مرفق، أو في التعامل مع المشاركين، أو حتى بمعالجة قضايا تأمين السلامة، والحركة المدنية والإنشائية على الطرق الرابطة بين المرافق، أو في إدارة المتطوعين الذين سيخدمون أثناء الحدث، وفي طرق استقطابهم وتأهيلهم وتوزيعهم على المهمات المختلفة.

ويصل الابتكار في موقع الحدث إلى التفاصيل الحياتية، ومنها عمليات الإطعام؛ فالعاملون في مقر الإدارة بالمشروع، على سبيل المثال، يشربون قهوتهم ويتناولون تصبيراتهم من الطعام من متاجر تمثل مشاريع صغيرة للشباب ابتدأوها هناك، بفضل إدارة المشروع التي استقطبت أفكارهم، وشجعتهم على بدء مشاريعهم، وبناء «موديل العمل» الخاص بهم، وأعانتهم على تأسيس اسمهم التجاري. وكل ذلك بنفس مستويات الجودة المعيارية، وبما يلبي شرط الاستدامة، التي هي واحد من أهم مفاهيم وقيم «إكسبو».

الاستدامة بمعيار دبي

بمعنى ما، فإن قائمة الأهداف التي حققتها دبي، إلى يومنا هذا، من «إكسبو» كبيرة؛ بدءاً من النجاح في إدخال الدولة والمنطقة على قائمة الجدارة بتنظيم واستضافة هذا المستوى من الفعاليات العالمية الضخمة والعملاقة، إلى تحقيق مستويات غير مسبوقة في عدد الدول المشاركة ونوعية التعاونات والشراكات الاستراتيجية، إلى الإدارة النوعية للاستعدادات والعمليات التحضيرية. وكذلك في مستوى تعزيز مفاهيم وقيم «إكسبو»، والالتزام بإحداث طفرة نوعية في مستوى الحدث.

وفي هذا، فإن حجم المرافق والمنشآت، التي تقام لتخدم على المشروع، ويخطط لها أن تبقى بعد الحدث، الذي يستمر نحو ستة أشهر، هي نسبة عالية تقدر بخمسة وثمانين بالمئة، ستكون جزءاً حيوياً من مدينة دبي الجنوب.

في الواقع، فإن بعضاً من هذه المنشآت والمرافق ستؤدي، خلال فترة المعرض، وظيفة هامة، وتمثل واحداً من التسهيلات غير المسبوقة التي يقدمها «إكسبو 2020 دبي» لعدد كبير من الدول التي لا تتوافر لديها القدرة على تمثيل نفسها في المعرض بمرافق مستقلة، وهو ما يؤمن لها مشاركة كاملة ووافية، ويضمن تحييد أية ظروف قد تحول دون استقطاب كل الأفكار الجديدة في العالم، من دون استثناء.

دائرة منفتحة على محيطها

يلفت الزائر إلى موقع «إكسبو 2020 دبي» تلك الطبيعة الكاملة للمشروع في بنيته التحتية ووظائفه، التي تصل في تكاملها إلى درجة توحي بأنه مكتف بذاته، ويمكنه أن يتحول إلى دائرة مغلقة.

ولكن الإشارات المتلاحقة تلفت إلى انفتاح عناصر المشروع على دورة الحياة الاجتماعية وعلاقتها بدبي، وبمدن الدولة عموماً، وبالمنطقة على نحو أشمل، ما يشير إلى أن المشروع في واقع الأمر لا يشكل «دائرة مغلقة»، ولكن «دائرة محكمة الجذب» منفتحة على محيطها، وتخدم مجتمعها ومنطقتها.

وهنا، يلحظ الزائر أن اهتمام المشروع بالانفتاح، لا يقتصر على الوفود الاقتصادية وممثلي الدول وقطاعات المال والأعمال والصناعيين المهتمين بالتوجهات الجديدة، بل على جميع فئات المجتمع، من الرجال والنساء المنفتحين على الفرص الجديدة، أو المحبين للمعرفة، أو حتى أرباب العائلات الذين يودون قضاء وقت ممتع مع عائلاتهم ويمنحونها فرصة مشاهدة أكثر قدر ممكن من الأشياء المبتكرة المجتمعة في مكان واحد في العالم.

ومن ضمن ذلك أنواع التسلية والترفيه التي تعتني بالجميع، وفي مقدمتهم الأطفال، الذين يعدهم «إكسبو 2020 دبي» بقضاء أوقات لا تنسى، تجعلهم يختبرون حقائق أساسية في الحياة، ومنها أن طفولتهم لا تتعارض مع رشد آبائهم، وأن قائمة من الأنشطة الممتعة والمسلية ستجمعهم معاً في وقت واحد. وأن يختبروا تجربة تجعلهم يكتشفون أن الترفيه والتسلية لا يتعارضان مع المعرفة والتعلم، ولا يحتاجان أوقاتاً مختلفة.

فراشة بثلاثة أجنحة

إن الوقوف أمام مجسم مشروع «إكسبو 2020 دبي» لا يثير الإعجاب فقط بالأفكار الهندسية، التي صممته، بل وكذلك بالكفاءات التي تنظم عملية استضافته للحدث الدولي الاستثنائي، وتصمم له وظائفه وطريقة القيام بها. أما المجسم نفسه فيثير حالة شديدة من الفضول والتحفز لرؤيته مكتملاً على أرض الواقع، يمارس دوره في «تواصل العقول وصنع المستقبل».

هناك إذن، الصورة الكاملة المدهشة والكلية، التي تثير أفكاراً حول يرقة تتحرر من شرنقتها لتصبح فراشة بثلاثة أجنحة، ملونة بالتجارب والأفكار وفرص التعاون والتشارك في عالم يسحره المستقبل، وتثيره الحلول المبتكرة.

وهناك، التفاصيل الجزئية، وفيها عشرات من المرافق الخاصة بمشاركات الدول، وكل منها يمثل أعجوبة هندسية وتحفة فنية في آن. وهذا الاهتمام من دول العالم بالمرافق التي ستحتضن مشاركاتها يعكس الثقة الكبيرة بقدرة دبي على تنظيم أهم دورات «إكسبو» في تاريخه، ما يعد حضوره والمشاركة فيه كسباً معنوياً هائلاً، عدا عما يتيحه ذلك من فهم أفضل الفرص المتاحة أمام البشرية في المستقبل.

ساحة الوصل وقبتها

في وسط الأجنحة الثلاثة للمرفق الأساسي في «إكسبو 2020 دبي» تقع ساحة الوصل، المغطاة بقبة مصممة من أضلاع مستوحاة من شعار الدورة، المستلهم بدوره من قطعة حلي عثر عليها في موقع «ساروق الحديد» الأثري.

وستكون هذه الساحة المعلم المعماري الجديد الذي يشير إلى دبي إلى جانب برج راشد وبرج العرب وبرج خليفة وبرج الإمارات المقبل ومناطق دبي الأخرى، مثل شارع الشيخ زايد، وجميرا و«جي بي آر» والمارينا وغيرها.

ومن هذا الشعار وأبعاده، يعود المرء إلى تذكر أن «إكسبو 2020 دبي» هو خطوة عملاقة تصنعها دبي في تاريخ المعرض الدولي، الأقدم والأهم، باتجاه جعل العالم يتقبل الخروج من شرنقة المصالح الضيقة، ليطير على أجنحة فراشة «إكسبو 2020 دبي»، الثلاثة (التنقل والفرص والاستدامة)، الملونة بالتجارب والأفكار وفرص التعاون والتشارك في عالم يسحره المستقبل، وتثيره الحلول المبتكرة.

وفي كل هذا، هناك إرادة وعزيمة وفكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي يجتهد فريق «إكسبو 2020 دبي» الدؤوب والمثابر والدقيق، على تحقيق رؤيته، وتنفيذ توجيهاته، وآخرها تقديم موعد الانتهاء من التحضيرات عاماً قبل موعد افتتاح الحدث الدولي الكبير، لاختبار المرافق والمنشآت، ومنح المنظمين فرصة لاختبار أنفسهم واستعداداتهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات