ثورة الـ ١٢ جفت الينابيع فاشتعلت نيران الكرة الأوروبية

يقولون إن الطمع «يقلّ ما جمع»، وبعد أن جمع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم جبالاً من أموال لا طاقة لأحد بعدّ أصفارها، يبدو أن الجبل الذي بناه الاتحاد الأوروبي بنفسه ينهار فوق رأسه بسبب طمعه في حصد أكبر قدر من الأموال، ومعاداته لرجال الأعمال والمستثمرين أصحاب رؤوس الأموال، الذين يجدون أنفسهم مطالبين بسداد فواتير آخرين.

والاستقطاع من أرباح تجارتهم في كرة القدم من أجل مشاريع وهمية غير مدرة للأموال ينفق فيها «يويفا» من جيوب الأندية الكبرى ومقتطعاً من أرباحهم في المسابقات. كان الأمر يسير بشكل طبيعي سنوات، كانت المقتطعات عادلة، والبطولات كثيرة ومتعددة والجماهير التي تملأ جنبات الملاعب بالملايين تدر أرباحاً لا حصر لها.

والبطولات الدعائية والجولات العالمية تأتي بالأموال الكثيرة، فلم يكن اقتصاد الأندية الكبرى يئن، وكانت السفينة تسير، حتى مع محاولات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم زيادة أرباحه على حساب الأندية، كان الربح يسمح بالاقتسام.. ولكن مع جفاف الينابيع، جلبت سياسات «يويفا» انقلاباً من الأندية على سطوته.

الإعلان

وأعلن 12 من أهم الأندية الأوروبية، التوصل إلى اتفاق لإنشاء مسابقة جديدة «الدوري السوبر» تديرها الأندية المؤسسة وهي: ميلان وإنتر ويوفنتوس (إيطاليا)، أتلتيكو مدريد وريال مدريد وبرشلونة (إسبانيا)، وأرسنال وليفربول وتشلسي ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وتوتنهام (إنجلترا).

وكيلت الاتهامات للأندية الـ12 الراغبة في السير على خطى دوري كرة السلة الأمريكية «إن بي ايه» والتي تعاني بسبب تكالب الديون والحجم الهائل لرواتب نجومها في ظل أزمة كورونا، ووصف الاتحاد الأوروبي وبالتبعية بعضاً من جماهير هذه الأندية بالجشع، وتم تهديدها بالمعاقبة الدولية.

وأشارت الأندية إلى أنه سيتم الإعلان عن ثلاثة أعضاء مؤسسين آخرين، مع وجود خمسة أماكن أخرى تمنح من خلال نظام تأهل سنوياً، على أن تبدأ النسخة الافتتاحية في أقرب وقت ممكن عملياً. وسيضمن الأعضاء المؤسّسون الـ15 تأهلهم كل موسم.

وستحصل الفرق المشاركة على 3,5 مليارات يورو (4,19 مليارات دولار) لدعم خططها الاستثمارية ومواجهة تحديات فيروس كورونا. وبحال تأكيد هذا الرقم، سيوفّر عائدات أعلى من كل مسابقات الاتحادات الأوروبي (دوري الأبطال، يوروبا ليغ والسوبر الأوروبي) البالغة 3,2 مليارات يورو من عائدات النقل التلفزيوني لموسم 2018 - 2019، قبل جائحة كورونا.

وقبل الإعلان الرسمي، أعلن الاتحاد الأوروبي واتحادات كرة القدم في الدول الثلاث للأندية المشاركة، أنه سيتم منع الأندية من المشاركة في الدوريات المحلية ودوري أبطال أوروبا.

وأشار ويفا إلى أن الأندية المعنية ستمنع من اللعب في أي مسابقة أخرى على المستوى المحلي أو الأوروبي أو العالمي، وقد يُحرم لاعبوها من فرصة تمثيل منتخباتهم الوطنية.

ويتجه «يويفا» الإثنين في اجتماع لجنته التنفيذية إلى إضفاء الطابع الرسمي على الإصلاحات المتعلقة بمسابقة دوري الأبطال.

بداية الحكاية

الحكاية لم تبدأ اليوم أو أمس، لم يكن انقلاب الأندية الـ12 الكبرى في أوروبا وليد اللحظة، بل كان مخططاً له منذ عام 2000 عندما نادت بعض الأندية مثل بايرين ميونخ الألماني بإقامة بطولة أوروبية تكون فقط مخصصة لأندية النخبة صاحبة الإنجازات العريقة محلياً وأوروبياً.

إلا أن مشروع «سوبر ليغ» تسارعت خطواته عام 2016، عندما كشفت الصحافة البريطانية عن اجتماع عدد من الأندية الكبرى الإنجليزية مع شركة لم تحددها، ويعتقد بأنها أمريكية، لحثهم على الانفصال عن بطولات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وتأسيس بطولة تليق بمكانة الكبار الذين باتوا يخرجون تباعاً من دوري أبطال أوروبا على يد الأندية الصغيرة والمغمورة.

الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» تدخل سريعاً لوأد «الفتنة الأوروبية» عام 2017 عبر اتفاقه مع الأندية المتمردة على إصلاح منظومة البطولات الأوروبية ابتداء من عام 2018 إلى عام 2021.

وعادت الفكرة من جديد العام الماضي عبر رئيس نادي ريال مدريد فلورنتينو بيريز الذي دعا إلى ضرورة التوافق على شكل جديد للمسابقات يسمح بتخفيف العبء الكبير للمباريات والذي يؤثر في صحة اللاعبين، مضيفاً إن وباء كورونا يدفع إلى التفكير بشكل جديد في كرة القدم لتكون أكثر قدرة على المنافسة.

الاشتعال

وتوهجت النيران الخامدة تحت الرماد، من جديد مع تزايد الديون وإصرار «يويفا» على العناد. وبالفعل في 2020، ذلك العام الذي أشعل كل شيء، فمع نهاية 2019 بدأت بوادر أزمة اقتصادية مع انتشار شائعات فيروس «كورونا»، ومع دخول عام 2020 بدأت الشائعات تتأكد وتحول الأمر إلى جائحة عالمية، ومع الإغلاقات ومنع التجمعات.

والذي نتج عنه منع من الحضور الجماهيري في المدرجات، ثم شلل كامل في مسيرة كرة القدم لشهور، قبل أن تعود على استحياء مع الربع الرابع لعام 2020، ولكن عودتها جاءت من دون جماهير، الأمر الذي زاد من جراح الأندية الأوروبية، التي فقدت الملايين وباتت تنزف يومياً من جراح الديون التي تكالبت عليها، حتى بات دفع مرتبات النجوم أمراً مستحيلاً..

عانى ميلان وإنتر ويوفنتوس من المطالبات بالديون، وعانى حتى أغنى الأغنياء سيتي ويونايتد وأرسنال وريال مدريد وبرشلونة، عانت اختلال الموازين، وعدم وجود موارد مالية تغطي التكاليف الباهظة، في الوقت الذي سعى الاتحاد الأوروبي لحل المشكلات في لخنييشتاين وجزر الفاو، وتغاضى عن إيجاد حلول جذرية لأزمة الأندية الكبرى، وعد «يويفا» أن الأغنياء عليهم أن يدفعوا لإنقاذ الفقراء.

وكان الأمر وارداً من قبل ولكن في ظل الجائحة أصبح المستثمرون يئنون، وأصحاب رؤوس الأموال في الأندية الكبرى جرحهم غائراً من الخسائر المالية والديون، وإصرار الاتحاد الأوروبي على نهجه ولد الانفجار، الذي كان حتمياً في ظل ظروف اقتصاد كرة القدم الحالي في العالم.. ليبزغ فجر جديد في كرة القدم!

 
طباعة Email