فيدرر..بداية متهورة ونهاية باكية

ت + ت - الحجم الطبيعي

انتهت الرحلة المثالية لأسطورة التنس روجر فيدرر (41 عاماً)، بلحظات مؤثرة، عندما انفجر باكياً وهو يبتعد عن اللعبة، بعد سنوات من التألق والصعود إلى سماء الأضواء والشهرة، حتى أصبح أحد أعظم نجوم الرياضة على الإطلاق، على الرغم من نهاية مسيرته اللامعة بالهزيمة، إلا أن نتيجة مباراة الزوجي في كأس ليفر الإنجليزية، والتي خاضها برفقة الإسباني رافاييل نادال، واللذان مثّلا منتخب أوروبا، أمام منتخب أمريكا المكون من جاك سوك وفرانسيس تيافو، كانت عرضية حقاً في المخطط الكبير لليلة الاحتفال العاطفية.

وبعد أن جاءت بداية النجم السويسري مليئة بالغضب والتهور، حتى أنه ألقى المضرب مراراً تعبيراً عن غضبه سواء من التحكيم أو من الخسارة أمام المنافسين في بداية مسيرته، إلا أنه عبر سنوات، تمالك مشاعر التهور، وصب تركيزه في السيطرة على مضربه وأعصابه في الوقت ذاته، إلا أنه لم يستطع كبح مشاعره في نهاية مسيرته، والتي لم تأتِ غاضبة، وإنما حزينة على وداع الملاعب، ولم يستطع أيضاً في مباراة اعتزاله «كبح الدموع» أمام 17500 معجب، وأشاد بوالديه وزوجته، وبالأصدقاء المقربين والمدربين والزملاء، بكلمات مؤثرة، حتى إن شريكه في مباراة الزوجي نادال، تعرض للاختناق بشكل مفاجئ، عندما غالب دموعه، وهو يرى منافساً وصديقاً يترجل عن عرش «اللعبة البيضاء»، والتي اختار وداعها في مباراة زوجي، وليس وداعاً فردياً، لعدم قدرته الجسدية على تقديم أفضل أداء، وهو يعاني من ركبة يمنى مدمرة من كثرة الإصابات، وتمنعه من القتال في تحدٍ فردي قوي.

حضور تاريخي

شهدت المباراة الوداعية للأسطورة السويسري فيدرر، إقبالاً وحضوراً جماهيرياً كبيراً، حسب ما أشارت صحيفة «ذا صن» الإنجليزية، والتي أكدت على أنه رغم من بدء المباراة، إلا أن الطلب على التذاكر لم يتوقف، ووصل سعر عدد من التذاكر إلى 55000 جنيه إسترليني، وبدا رغبة الكثير من عشاق اللعبة في حضور المباراة الوداعية للنجم فيدرر، والتمتع بآخر تسديداته السريعة الخاطفة على الشبكة.

ويقول فيدرر، بطل ويمبلدون ثماني مرات: «كان يوماً رائعاً للوداع، وأخبرت اللاعبين أنني لست سعيداً بما شعرت به من حزن الوداع، ولكن كان لدي أيضاً شعور رائع بالوجود هنا، بعدما استمتعت بربط حذائي للمرة الأخيرة، وكل شيء كان لآخر مرة، والوجود هنا مع المعجبين وعائلتي وأصدقائي شيء جميل، ولم أشعر بالتوتر، وأنا سعيد بالمباراة الوداعية الرائعة، لأنني لم أكن أريد أن أشعر بالوحدة، وأودع التنس بعيداً عن جماهيري، ولذا، أشعر وكأن مشاركتي في كأس ليفر، احتفال أقيم بشكل خاص لي، وهذا بالضبط ما كنت أتمناه، وأنا سعيد باختياري لعب التنس، وقضاء الوقت مع أصدقائي طوال رحلة كانت مثالية».

دعم مؤثر

أثنى فيدرر، على دور زوجته في مسيرته الرياضية، بقوله: «كانت زوجتي داعمة للغاية، وكان من الممكن أن تمنعني منذ وقت طويل عن اللعب، لكنها لم تفعل ذلك، وسمحت لي بمواصلة اللعب، وهو أمر مذهل»، إذ كان من الممكن أن تنتهي حياة فيدرر الرياضية مبكراً، وتحديداً في عام 2016، أثناء العشاء، وعقب أن أعلن عن انتهاء موسمه قبل الأوان، بسبب إصابة في الغضروف المفصلي، وفقد فرصة الفوز بالميدالية الذهبية الأولمبية، التي طال انتظارها، فيما آخر ألقابه في البطولات الأربع الكبرى، تحقق قبل أربع سنوات.

ووفقاً لكاتب سيرته الذاتية، رينيه ستوفر، سأل فيدرر زوجته ميركا أثناء تناول وجبة العشاء: «هل يجب أن أتوقف عن اللعب، أم تعتقدين أنه لا يزال بإمكاني الفوز بشيء مهم؟»، ولكنها فضلت أن تجيبه بسؤال آخر: «ما هو برنامج وخطتنا مع الأطفال غداً؟»، وبعد أقل من ستة أشهر، فاز ببطولة أستراليا المفتوحة.

دور كبير

وبقدر ما يبدو هذا المشهد سهلاً عند النظر إلى الماضي، إلا أنه لا بد أنه كان من الصعب جداً على فيدرر، رسم خط لمساره الرياضي، ليعتزل بعد أكثر من عقدين من الزمن، قام فيها الابن لأب سويسري وأم من جنوب أفريقيا، بتشكيل تنس احترافي غيّر كثيراً من الرياضة نفسها، ليكون الأمس، نهاية واحد من أعظم اللاعبين في الرياضات الاحترافية.

وسيكون أمام فيدرر، الكثير من الوقت، حسب ما أشارت صحيفة «كيكر» الألمانية، للتفكير في بيتر كارتر، وهو الرجل الذي لعب دوراً كبيراً في فوزه بـ 20 لقباً في البطولات الأربع الكبرى، والبقاء 310 أسابيع في قمة التصنيف العالمي، والتتويج بالميدالية الذهبية الأولمبية في الزوجي، ولكنه مع هذا، لم يتمكن من رؤية أي منها، بعدما توفي كارتر، مكتشف فيدرر، وأول مدرب وصديق مقرب، في حادث سيارة في عام 2002، وظهر فيدرر وقتها محطماً ومصاباً بالذهول، في وسط مدينة تورونتو يبكي ويصرخ، وبعد عام تقريباً، فاز فيدرر ببطولة ويمبلدون للمرة الأولى.

أكبر مأساة

بعد أكبر مأساة في مسيرته، أصبح فيدرر الموهبة التي اشتهرت بعدم قدرتها على الفوز في المباريات الكبرى، المسيطر والفائز في كل مباراة كبيرة تقريباً لسنوات طويلة، وربما كان التحول الأكبر والأكثر أهمية لفيدرر، هو البعد عن التوتر والعصبية الزائدة، والتحلي بالهدوء، وأي شخص يعرفه عن قرب، يدرك تماماً مدى التحول الذي حدث في شخصيته بعد وفاة كارتر، إذ بات اللاعب الأكثر هدوءاً بشكل ملحوظ، والرزين على أرض الملعب، ولا يمكن أن يتخيل أحد أن هذا اللاعب نفسه، كان قبل وفاة صديقه بسنوات، أن شخصيته العصبية، كانت في الأساس هي التي تعترض موهبته، وعادة ما كان يرمي المضرب عدة مرات في كل مباراة، حتى بعد فوزه بالنقاط، إلى جانب انتقاده لنفسه بصوت عالٍ.

شكل مثالي

ومن تصريحاته الشهيرة في بداية حياته الرياضية: «لا أستطيع أن أسامح نفسي على الأخطاء، حتى لو كانت عادية»، وقال عندما كان في عمر 15 عاماً: «يجب أن تكون قادراً على اللعب بشكل مثالي»، وما يميز فيدرر، على مر السنين أيضاً، أنه لم يرغب أبداً في السيطرة على خصمه، بل رغبته في السيطرة على اللعبة نفسها، ليلعب التنس بشكل بسيط وقوي، دون أي تأثير في جمالية اللعبة، ليصل بالتنس إلى حد الكمال.

والبعض يسأل مع نهاية مشوار فيدرر، هل هناك مباراة مثالية محددة يمكن الوقوف عندها للأسطورة السويسري؟، وتجيب الصحيفة الألمانية، ربما يكون ذلك في عام 2004، على سبيل المثال، عندما فاز بمجموعتين من ثلاث مجموعات من جانب واحد، ضد ليتون هيويت 6-0 في نهائي بطولة الولايات المتحدة المفتوحة، أو في عام 2003، عندما أصبح فوزه الأول في كأس الماسترز في النهائي ضد أندريه أغاسي، في 96 دقيقة فقط، بمثابة استعراض للقوة، وربما أيضاً في نصف نهائي بطولة أستراليا المفتوحة 2007، عندما تفوق على آندي روديك المثير للشفقة، وفقاً لجميع قواعد الفن، وقدم التنس من نجم آخر.

وفي كل الأحوال، انتهت مسيرة أسطورة في عالم التنس، كانت قادرة يوماً على ضرب الكرة أحياناً بسرعة 119 ميلاً في الساعة، ولن يعود في الإمكان عودته إلى الملاعب، لتنتهي نجومية فيدرر، بعد 24 عاماً في ملاعب التنس، و20 بطولة غراند سلام، وعمليات جراحية مختلفة للركبتين، وملايين الذكريات المليئة بالتهور والانتصارات والاحتفالات، وأخيراً الدموع.

 

طباعة Email