حكاية حلم

صفحات في كتاب

كان كلما أمسك كتاباً، استعاد ذاكرة الأيام؛ يتذكر حين كان صغيراً، وحيداً لأبويه، منطوياً على نفسه، لا صديق له إلا الكُتب، يقرأها فيشعر معها بالحياة، يعبر من خلال صفحاتها المكان والزمان، ويبقى حيث يريد، اطلاعاته الوفيرة في التاريخ والأدب، أثرت وعيه مبكراً، جعلته يفكر بعمق في الأشياء، ينفرد بوجهة نظر خاصة به، يرتقي بها عمن هم في عمره، ويشعر بالتميز، كان كلما سعى إليه رفاق الطفولة، يتجاذبون معه أطراف الحديث، يفاجؤون أنه يعرف أكثر مما يعرفون، فقد كان يجلس صامتاً في آخر مقعد بفصله الدراسي، يفكر في صمت، ويرسم طموحه وأحلامه الخاصة، يبحث بداخله عن السكينة والسلام، ويحلم أن يكون كاتباً ومؤلفاً مثل أولئك الذين يقرأ لهم، وألا يكون لونه أو عرقه سبباً في اضطهاده، حيث كان مولده يوم 16 أبريل عام 1947 بمدينة نيويورك، وهي فترة شهدت تطوراً كبيراً في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت ما تزال تنتفض ضد كافة أشكال العنصرية.

في أحد أيام ديسمبر الباردة، كان يهودج بخطوات بطيئة في فناء المدرسة، يحرك ذراعيه الطويلتين بهدوء.. لفت نظر مدرس التربية الرياضية، فضمه إلى فريق كرة السلة، ليبدأ مسيرة أسطورية لم تكن يوماً في حسبانه، ليس فقط لأنه أصبح رقماً صعباً على المستويين المحلي والعالمي، ولكن لأنه أضحى مجموعة من المواهب المتعددة، في شخص واحد، الشاب الذي أصبح طوله 2 متر و 15 سم،،هو نفسه الذي بات كاتباً، ونجماً سينمائياً لبعض الوقت.

يؤمن أن البشر، ما هم إلا صفحات في كتاب، لكل منهم أقاصيص وروايات، لذلك تأثر كثيراً حين كان طالباً في جامعة كاليفورنيا بالكاتب «فرديناند لويس» وقصص معاناة السود في أمريكا، كما تأثر بسيرة «مالكوم اكس» الذاتية، وكفاحه ضد استعباد السود، وعندما التقى الداعية الإسلامي الأمريكي حماس عبد الخليص عام1971، أعلن إسلامه وعمره 24 عاماً، فوجد سلامة الذات، وحقق حلمه في الكتابة، حيث ألف عدة كتب منها، «إخوة في الجيش» تناول فيه الحرب العالمية الثانية، ومشاركة الأمريكان البيض إخوانهم الأفارقة السود في الحرب، و«خطوات عملاقة مع بيتر كنوبلر»، ثم كتاب «كريم»، و«وجوه سوداء شجاعة»، و«موسم على التحفظ»، وتمحورت معظم هذه الكتب حول مقاومة العنصرية التي يرى أنها ما زالت مستمرة.

ومنذ تألقه مع مدرسة هارلم، أصبح نجماً فذاً، فلعب لفريق «ميللوكي باكس»6 مواسم، ولوس أنجليس ليكرز 14 موسماً، فحقق ما لم يحققه غيره، قبل أن يعتزل عام ‏‏1989 وعمره 42 سنة.

إنه الكاتب والنجم الموهوب، «فرديناند» أو كريم عبد الجبار أسطورة كرة السلة الأمريكية.

طباعة Email