حكاية حلم.. ليلة فرح

بعد أن رفع ذراعيه إلى أعلى، ونظر إلى السماء، متمتماً بصيغ الحمد على فوزه الكبير.. حيّا الجماهير الغفيرة بمدرجات الاستاد الأولمبي في ريو دي جانيرو بالبرازيل.. دلف إلى الممر المؤدي لغرف خلع الملابس وأماكن الإحماء، وعند إحدى الزوايا، انخرط في بكاء عميق.. دموعه المنسابة كنهرين منهمرين على وجنتيه، تذكره بمعاناة أسرته حين كانت تعيش بين فكي الرحا.. القتال والفقر في صومال الأرض، لا تزال تلك الليلة التي أضاءت فيها القنابل، ظلمة الليل الحزين، مخلّفة صوتاً ضخماً يهز الجبال، ويهدم بيوت تبعثرت أنقاضها، وتاهت ملامحها في سحب دخان كثيف.

بكاؤه عند زاوية الممر.. امتزجت فيه دموع الفرح بحلمه المولود في التَرح، واختلطت فيه أحزان قلبه المعتصر على وطن يتشوّق إلى الاستقرار، ولم يجن أهله من الحروب الأهلية سوى الفرار.. يذكر أمه وهي تجاهد ملامحها المرتعبة، حتى لا ينهار هو وإخوته من الخوف، بعد أن استيقظوا مفزوعين من دوي المدافع القريبة من بيتهم القديم في أحد الأحياء الفقيرة بالعاصمة مقديشيو.

في ليلة الفرح.. غلبه البكاء، وهو يستعيد لحظات الانتظار الكئيبة، لصباح متثاقل الخطى، لعل في قدومه سلام، ينهي معارك لا يعرف منذ طفولته كيف ولماذا بدأت؟ أيام وليالٍ سوداء، لطالما فر منها ركضاً، بناءً على نصيحة الأم في لحظات الرعب، نصيحة، كانت هي منبت حلمه الكبير، الفرار من الفزع، جعله ينطلق مثل الريح، كلما حمي وطيس المعارك في الشوارع، وسمع صوت الخوف في نبضات قلبه البريء، فيتحرك صدره المنحوت، مع شهيق غير مشبع، وزفير لم يَكتمل، يطلق لساقيه العنان.. يشق الريح بوجهه الصغير وجسده النحيل، يفر كظبي هارب من أنياب الذئاب ليدرك الأمان.

بكى كما لم يبك من قبل، حين تنبه لتلك اللحظة التي انتقل فيها مع أسرته إلى جيبوتي، ومنها كلاجئين إلى إنجلترا عام 1993 وعمره 10 سنوات، وهناك، انطلق فرحاً مع الحرية.. ركض بلا هوادة يسابق الزمن بحثاً عن حلمه وذاته المجهولة.

في لندن، عاصمة الإنجليز، انخرط في المدرسة الابتدائية، وانضم إلى فريق ألعاب القوى، ليفوز باكتساح في أول سباق، وينطلق في مضامير السباق، رداً لجميل بلده الجديد «إنجلترا» فمنحها مجموعة من الميداليات الذهبية الأولمبية، كما لم ينس قط وطنه الأم، وظل يذكره عند كل إنجاز يحققه لبريطانيا.

إنها ليلة من ليالي الفرح، للعداء الأسطوري محمد فرح، المتّوج بلقب «فارس» من ملكة بريطانيا، بعد الفوز بسباقي 10 آلاف و5 آلاف متر في الأولمبياد، وعندما سألوه لماذا تبكي ومعك الذهب، قال لأن أمي كانت تبكي!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات