أنطوان أبي هيلا: المحل أشبه بمجلس ثقافي في دبي

أول متجر لبيع الكتب والمخطوطات النادرة

ت + ت - الحجم الطبيعي

بذل أنطوان أبي هيلا جهدا كبيرا في اختيار الموقع الملائم لافتتاح ما يعتبره «مجلس ثقافي» تحت اسم «فوليو انتيك». اختار لمشروعه مكانا هادئا في منطقة الوصل، بعيدا عن صخب المراكز التجارية المكتظة والفنادق وناطحات السحاب وزحمة المدينة، أسدلت على واجهته ستارة تحمل شعار يد تحمل ريشة الكتابة، ولكن أبي هيلا آثر إضافة بيت شعر يحبه للمتنبي يشير فيه إلى خصوصية المكان جاء فيه:

أعز مكان في الدنيا سرج سابح

وخير جليس في الزمان كتاب

ترك ابي هيلا أعمال التجارة التي كان يمارسها في باريس وقرر التقاعد في عمر 45 سنة لممارسة هوايته جمع الكتب والمخطوطات النفيسة إلى جانب القطع الفنية، يقول:أحب الكتب فأنا مدمن على مطالعتها، خصوصا تلك التي تتعلق بتاريخنا العربي والحضارة الإسلامية، ولدي مجموعة خاصة ومنتقاة من الكتب والمخطوطات والتحف النادرة والفريدة من نوعها جمعتها طيلة 25 عاما خلال إقامتي في فرنسا وأسفاري الكثيرة إلى مختلف أنحاء أوروبا والعالم.

التحق ابي هيلا بجامعة السوربون الباريسية لصقل هوايته، فانغمس في دراسة العلوم الإسلامية والخط العربي وأصول التوثيق ودراسة النصوص القديمة والمحافظة على الكتب وجميعها ساعدته في تقييم المخطوطات والكتب والرسائل القديمة التي كانت تقع بين يديه لجهة أهميتها الثقافية وندرة النص وقيمته الجمالية.

ولاحظ أبي هيلا أن الشرق يفتقد إلى ما يتعارف عليه في الغرب «انتيك بوك شو» وحيث لا وجود لأسواق لبيع الكتب القديمة أو النادرة الأمر الذي يجعل البحث عنها شاقا ويؤدي إلى اندثارها.

فسيفساء دبي

يشبه أبي هيلا دبي بفسيفساء رائعة الجمال لا تتداخل قطعها ولا تتمازج، ويعزوا السبب إلى حاجتها إلى عامل ثقافي يكون بمثابة الروح قادر على عجنها ببعضها لتخرج طينة خصبة للتفاعل الحضاري، ويضيف قائلا: تحتضن دبي ثروة تفوق بأهميتها النفط، كونها تمكنت بمساحتها الصغيرة احتضان 90 في المئة من حضارات أو ثقافات العالم من الشرق الأقصى والى الحضارة العربية والأوروبية والأميركية. ويتوجب علينا أن نجد الوسائل الناجعة لتنشيط التفاعل فيما بينها.

يتوقع أبي هيلا ان يلبي «مجلسه الثقافي» جزء من هذه المهمة، خصوصا انه «الأول من نوعه دبي وحتى منطقة الخليج، مقابل انتشار مثل هذه الزوايا في أوروبا بشكل واسع، وبينها الكثير الذي يهتم بالحضارة المشرقية أو العربية».

يتسم المحل بالأناقة وبالترتيب اصطفت الكتب على رفوفه الخشبية خلف واجهات زجاجية بينها بعض الأواني والمنحوتات وتعلوها لوحات فنية وخرائط، حفظت الكتب والرسائل والوثائق بطريقة علمية من شأنها أن تحفظها، كما وضع كل منها في علبة بلاستيكية شفافة.

ويتوسط المكان مجلس يتألف من أريكة وكرسيين جلديين تتوسطهم طاولة، تؤمن لزواره فسحة مريحة لتبادل الأفكار والقصص والأخبار، وفي الواجهة أيضاً وضع كاميرا قديمة عمرها يناهز 80 سنة أميركية الصنع حفظها بحالة ممتازة.

أول ما يتناول أبي هيلا بين أنامله في معرض حديثه عن محتويات المكتبة رسالة مبايعة كتبها الشيخ عبد القادر بن الأمير محيي الدين الحسني، الذي يتصل نسبه بالإمام الحسين بن علي، ولد في عام 1807م، بخط يده لابنه عام 1863.

تعتبر الرسالة من الوثائق الفريدة خصوصا أن عبد القادر من أوائل الأمراء المجاهدين كان عالما وشاعرا ومن المجاهدين ومن أهل التصوف، ولما دخل الفرنسيون إلى الجزائر أمر شعبه بالجهاد ضدهم فبايعوه، قاتل الفرنسيين 15 عاما وضرب نقودا سماها «المحمدي» وأنشأ معامل أسلحة وتقدم جيشه في المعارك. استسلم عام 1874 ونفي إلى فرنسا ثم بلاد الشام حيث توفي وما تزال سلالته تعيش هناك حتى اليوم.

ويشير أبي هيلا إلى صورة فوتوغرافية تتصدر القاعة للأمير وأسرته التقطت له في دمشق. ويقول: «يعتبر عبد القادر من أهم الشخصيات العربية والإسلامية في القرن التاسع عشر، تحمل إحدى الساحات الباريسية اسمه ولكنه شبه مغيب في عالمنا العربي».

مخطوطات نادرة

في المكتبة مجموعة من المصاحف النفيسة لكل منها أهميتها لما يميزها. يتناول أبي هيلا إحداها يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر ميلادي، يظهر تطور الخط العربي وصناعة الكتاب عند المسلمين يظهر ذلك من ورقه الرقيق الملمع القادر على امتصاص الحبر.

ولم تكن هذه التقنية قد وصلت إلى أوروبا بعد، يتميز الكتاب بالحواشي التي أعطيت شكلا فنيا لافتا وطريقة التغليف، حمل في ختامه اسم الناسخ أو الخطاط الذي كان يقدم لنفسه بعبارات تحقير لذاته واسم المذهب والمسفر. كما يتضمن اسم الجهة التي نسخ المصحف الشريف لصالحها.

ومن بين المخطوطات التي تحتضن المكتبة «إجازة في الخط» كانت تعتبر بمثابة شهادة تتيح للناسخ توقيع الكتب التي تخط، تبدو الشهادات كتمرين على الخط تتميز بجمالها وتبن مكانة صاحبها الفئوية.

يبدأ الخطاط عادة عمله بتمرين خط يجمع بشكل متسلسل كل حرف بحروف الأبجدية الأخرى وتذهيب وتزين، بعدها يخط أدعية للرسول صلى الله عليه وسلم ثم قصيدة البردى (بانت سعاد) لكعب بن زهير، ويأتي السطر الأول خط ثلث يليه سطران خط نسخ، يعود تاريخها إلى عام 1245 هجري لمحمد رشيد أحد أشهر خطاطي ذلك الزمان.

وتقدم إحدى المخطوطات التي يعود تاريخها إلى 1590 كتبة بخط «نستعليق» الفارسي مزين بنمنمات أسلوب حيرات. يقول أبي هيلا إن هذه المخطوطة تقدم نموذجا لتفاعل حضارتين في العالم الإسلامي هما الفارسية والعثمانية. فلما هزم العثمانيون الفرس اخذوا عنهم الخط والمنمنمات أو تأثروا بها وحولوها إلى العثمانية أو التركية القديمة.

ويضيف شارحا: «يكتسب الخط العربي أهميته لاعتماده كأحد أدواة الزينة التي حلت مكان الرسوم التشخيصية التي يحرمها الإسلام. فزين الخط العربي بمختلف أنواعه المساجد والقصور ويوازي عددا من الخطاطين المسلمين والعرب بأهميتهم أشهر رسامين أوروبا مثل مايكل أنجلو ودافينشي وغيرهم.

وفي المكتبة أيضاً رسالة كتبها الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول خلال الحرب العالمية الثانية للعلماء والفنانين والمثقفين المهمين المؤثرين في التطور الحضاري.

صورة لأدولف هتلر مرفقة برسالة موجهة إلى أمين الحسيني مفتي فلسطين يعود تاريخها إلى عام 1935 وتمثال لنحات فرنسي يظهر تأثرة بحضارة شمال أفريقيا ولاسيما الطوارق. ومن بين القطع مصباحا زيت يعود تاريخهما 1200 عام أي فترة تطور الفنون الإسلامية وبالتحديد في فترة اندحار الإمبراطورية البيزنطية على يد المسلمين.

ومن الأشياء البارزة لوحة خط ثلث للخطاط مصطفى عزت الذي ظهرت أعماله في مسجد آيا صوفيا. تقرأ اللوحة من الأسفل إلى الأعلى تيمنا بمؤسس المدرسة الصفوية عبد القادر الكيلاني. وتحمل لوحة ثانية شعار السلطان العثماني عبد الحميد للخطاط الذي صممه سامي.

في «فوليو انتيك» نحو 5000 كتاب بين النادر والفريد لكتاب عرب وأجانب أمثال ولي الدين يكن وجرجي زيدان وغيرهم من القرن السادس عشر وحتى بداية القرن العشرين، ونحو 150 مخطوطة عربية في مجال القرآن والفقه الإسلامي والطب وعلوم الفلك تتراوح تواريخها من القرن العاشر ميلادي إلى القرن التاسع عشر، ونحو 100 قطعة فنية إسلامية من صفوية إلى عثمانية وقجرية ومملوكية.

ويضم المتجر مجموعة من الوثائق التاريخية من رسائل كتبت بخط يد مشاهير من العالم ورجال أدب وعلماء أمثال عبد القادر الجزائري ونابليون وهتلر وجرجي زيدان. وفيه أيضاً لوحات قديمة منقوشة ومرسومة إلى جانب 200 قطعة بين صور فوتوغرافية قديمة وخرائط.

يوضح أبي هيلا أن محتويات متجره في دبي لا يتضمن إلا جزءا بسيطا من مقتنياته التي تتوزع بين «صالونه الثقافي» الذي افتتح في بيروت قبل مدة تحت اسم «بيبليو بوليس» وفي باريس. وأشار إلى انه وزعها على الأماكن الثلاث بحسب نسبة اهتمام الناس ولكنه سيعتمد أيضاً مبدأ المداورة ليتسنى للزوار في دبي الاطلاع عليها جميعها.

وعند سؤاله عما إذا كانت للبيع رد إيجابا ولكنه أشار إلى أن للبيع شروطا من شأنها أن تحفظ القطعة في أيد أمينة. وقال: «همي ليس بيع مقتنياتي ما أقوم به هو لإمتاع روحي وإغناء معرفتي».

ترفق كل قطعة تباع بوثيق تتضمن كل المعلومات حولها تبين قيمتها وعمرها، وفي حال تبين أن ثمة معلومات غير دقيقة يمكن للشاري إعادة القطعة واسترجاع ثمنها.

دبي ـ كارول ياغي

طباعة Email