بلاغة الحديث

المؤمن في حرب مع الشيطان حتى ييأس منه

ت + ت - الحجم الطبيعي

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن المؤمن لينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده» ثم قال صلى الله عليه وسلم «بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه لاصبعيه: السبابة والوسطى» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «رواه الترمذي».

الإيمان يصنع المعجزات ويجعل المستحيل ممكناً، والإيمان هو قول باللسان وعمل بالأركان وتصديق بالجنان والمؤمن يظل في حرب مع شيطانه إلى أن ييأس الشيطان منه إذن يرتقي المسلم إلى مؤمن ثم إلى مخلص فمخلص وهم من عباد الرحمن فيبتعد عنهم الشيطان.

قال تعالى: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان».

فالمؤمن لا ينقاد للشيطان أبداً وهو يجعله في تعب وإرهاق لأنه يسيطر على كل الدوافع من أجل رضاء الله عز وجل والله ينور القلب بنور الإيمان فهنيئاً للمؤمن الذي يرى بنور الله. عبدي أطعني تكن عبداً ربانياً تقول للشيء كن فيكون.

والنبي صلى الله عليه وسلم بعث وهو الساعة وأشار بالسبابة والوسطى، ولذلك الدنيا قصيرة لا تستحق شيئاً فإذا كان ذلك كذلك فلماذا لا يستعد الإنسان إلى دار النعيم المقيم دار الخلود في جنة الرحمن وصدق الله العظيم «وسيق الذين ارتقوا ربهم إلى الجنة زمراً».

«وسيق المتقون إلى الجنة مكرمين جماعات جماعات حتى إذا بلغوها فتحت أبوابها واستقبلهم حفظتها يبشرونهم بالأمان وطيب المقام وبالخلود الدائم في جنات النعيم».

وأثنى المتقون في الجنة على الله الذي حقق لهم ما وعدهم به على لسان رسله وملكهم الجنة ينزلون منها حيث يريدون ويرى الرائي الملائكة يحيطون بالعرش ينزهون الله عن كل نقص وقد فصل بين الخلائق بالعدل ونطق الكون كله قائلاً «الحمد لله رب العالمين».

تأملوا معي بلاغياً في كلام سيد الخلق وحبيب الحق أن المؤمن لينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر.

الاستعارة واضحة كامنة في «ينضي شيطانه» ونضي فلان البعير أي هزله والمشابهة قائمة بين معاملة المرء للبعير ومعاملة المؤمن للشيطان والمشابهة واضحة في هذا الهدي الشريف.

لقد استعير الفعل للدلالة على صعوبة انقياد المؤمن للشيطان إذ لا يصغي إلى وساوسه فالمؤمن المتقي يتعب الشيطان في الامتناع عن المعاصي.

وقد رشحت (بينت) هذه الاستعارة بما يشبه الوشم على الذاكرة لأنه عليه الصلاة والسلام استحضر المشهد الحركي من البيئة العربية ليكون مفسراً لهذه الاستعارة وليزيد من ايغالها الرادع في النفس.

ولدى تقليب النظر في هذا النص الحيوي تقع على معان إضافية فالمستعار حيوان يجسد الشيطان وهذا يفيد أن المؤمن يسيطر على الدوافع البهيمية وما دام يتعب بعيره في السفر لمتطلبات الحياة فإن الإذعان للشيطان يعني سيطرة البهيمية على الإنسان، ويعني وقفا لعمارة الأرض، فالمعاصي هدم ورجوع إلى الوراء.

وتخلف عن ركب الحضارة والتقوى تقدم وعمارة، ثم إن هذا المشهد يصور المؤمن يعتلي الشيطان وهو علو يرمز إلى تقدم البشرية وعلوها في العلوم الدينية والحضارة وموافقتها لما يتلى عليها من العالم العلوي كل هذا يفاد من النظر في باطن الكلمات وليس في خارجها فحسب.

ثم إذا كانت المشابهة تعنى بالخارجي الظاهر فهل كان الأديب يستوفي الوقوف عند هذا الحد مكتفياً به؟ . ألم يلمح النقاد القدامى والبلاغيون إلى المرحلة الوجدانية المستخلصة من الطابع الحسي للتصوير في الحديث الشريف والمشابهة كما رأينا في هذا الهدي الشريف هي في البلاغة قرينة اللغة التصويرية وهي الجدول الذي يجمع بين ضفتيه بعض الصفات التي تكون أقرب إلى إحداث المتعة الجمالية كلما كانت بعيدة الأطراف لأنها حينئذ تغدو اكتشافاً لم يتسن للنظرة العابرة.

والاستعارة هي أبعد ما تكون عن الاقناع لذلك تكثر في الشعر لا في الخطابة لأن المشابهة اختصرت فيها.ولو تأملنا في قوله صلى الله عليه وسلم بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه لاصبعيه السبابة والوسطى.

هنا أيضاً الاستعارة كامنة في إضافة النفس إلى الساعة فصار في الإمكان تصور الساعة شخصاً يتنفس ودل التعبير الاستعاري على تلاحم الطرفين لانتفاء أدوات التشبيه بل ان كلمة نفس صار لها إيحاءات جديدة مكتسبة من الإضافة إلى الساعة كما أن الساعة التي هي زمان صارت مكاناً ثم تكونت شخصاً متسماً بالحركة إذن فقد انسكبت من لفظه الساعة ميزات من النفس على الساعة، كما هي في المعجم، فهذه الاستعارة تقدم لنا صورة تشخيصية حرارية معاً وليس الجمال نابعاً من كلية الاستعارة بل من انتفاء عناصرها فالنفس يفيد الحرارة أي قرب المتنفس.

طباعة Email