النحات وسيم غريوي لا يجرؤ على وضع اسمه على أعماله

النحات وسيم غريوي لا يجرؤ على وضع اسمه على أعماله

أمام طاولة تكدست عليها أحجام مختلفة من الأحجار الصغيرة الملونة، التي يعمد «وسيم غريوي» إلى صف تلك الأحجار بطريقة فيها الكثير من الهدوء والصبر الممزوج بروح فنية عالية، استطاعت مع مرور الوقت تقديم لوحات فنية تثير الإعجاب.

هوايته بدأت منذ أن شدَته تلك اللوحات الفنية الموغلة في القدم في المتاحف، وما يشاهده عبر التلفاز والإنترنت.. آلاف الأفكار ازدحمت في مخيلته قبل أن يقرر التعرف على أساسيات هذا العمل الفني الصعب، ومما ساعده في ذلك ميله الفطري إلى الرسم والنحت، حيث أمضى سنوات يمرن موهبته الواضحة إلى أن قرر أن يتجه إلى موزاييك الحجر الطبيعي أولاً ومن ثم موزاييك الزجاج المعشق.

يقول «وسيم» إنه يحاول قدر المستطاع أن يقدم نماذج خاصة لأعماله، فيها الكثير من الخصوصية والتميز، ويعترف أنه لم يتجرأ حتى الآن على وضع اسمه على ما يبدعه..

معللاً ذلك بالقول:

أستطيع القول إنني فخور بكل ما أنجزته حتى الآن، خاصة وأن أعمالي تلقى الرواج والنجاح.. فهناك العديد من النماذج الإسلامية الكلاسيكية، والنماذج الغربية الحديثة، حيث المجال الأرحب للإبداع وتقديم أفكار جديدة، بالإضافة إلى تقديم «موزاييك» للبيوت والحارات الدمشقية القديمة، أو لآثار تدمر، أو قصر العظم وبيت نظام في سوريا.

* حالات سريالية

ينهل الفنان السوري الشاب المقيم في دمشق، من إيحاءات الأحياء الشعبية والآثار القديمة التي تقدم له مادة غنية، كما أنها مرغوبة لدى قسم كبير من السياح ومحبي هذا الفن، ومع أن لوحة «الموزاييك» الواحدة تأخذ وقتاً أطول، إلا أنها تعبر حسب اعتقاده عن حالة سريالية خاصة يتمازج فيها الواقع بالخيال.

ولهذا السبب لا يجد «وسيم» حرجاً في الاعتراف أنه لا يملك حتى الآن مشغلاً خاصاً به، رغم أنه أمضى سبع سنوات في هذه الهواية التي تحولت مع مرور الأيام إلى مهنة فيها الكثير من المتعة والصبر والفن معاً.

فيما يستفيد في أيام الصيف من الفسحة الخارجية لمنزل عائلته في حي «العدوي» الدمشقي، حيث تتكدس عنده أنواع وأحجام مختلفة من قطع الحجر الذي يعاونه أصدقاؤه في اختياره وتقطيعه وفق سماكات وأحجام محددة، لكنه يضطر في الشتاء للعمل داخل غرفته، ويقول إن أهله لا يزعجهم تعلقه بهذا الفن لأنهم يشعرون يوماً بعد يوم أنه قادر بفضله على تقديم أعمال فنية مميزة.

وعن كيفية تحضير اللوحة الحجرية «الموزاييك» يشير إلى المرحلة الأولى وهي رسم مخطط اللوحة على قطعة خشب، ثم البدء بتجميع الأحجار المختلفة ولصقها بلاصق خاص، مع مراعاة تحديد الزوايا والألوان بالفسيفساء.

مؤكداً أن صنع الموزاييك بالزجاج المعشق أسهل لأن تركيب قطع الزجاج المكسر لا تحتاج إلى الدقة التي يقوم عليها رصف الحجر بألوانه المختلفة، موضحاً أن الزجاج المعشق يوفر فرصة للخيال والابتعاد عن المخطط المرسوم مسبقاً على قطعة الخشب.

وبينما توجد أنواع متعددة من الحجر، إلا أن النحات الدمشقي يفضل الحجر من أنواع: الفرادسي، والرحيباني، والكسبي، الذي يمتاز بلونه الفاتح القريب من لون البشرة، كذلك الحجر الإيراني بألوانه: الأحمر والأبيض الفاتح والأخضر والسكري، وهو يستخدم أيضاً الحجر البازلتي الأسود بنوعيه الأملس والخشن ولا يعتمد إلا نادراً على الرخام الإيطالي لأنه حجر قاس ومرتفع الثمن.

* أسرار الفن الخالد

لا يشكو «وسيم غريوي» من قلة اهتمام الناس بأعماله بقدر رغبته في تطوير نفسه وأدواته، وعلى الرغم من أنه لم يدرس الفن في مدرسة أو كلية متخصصة، إلا أنه اطلع على كتب تاريخ الفن، ومع ذلك يصر على القول إنه يشعر بحاجة إلى المزيد من الثقافة الفنية المرجعية ولا يعتبر أن قراءاته وحدها تكفي.. قائلاً:

صحيح أنني اطلعت على الكتب والمراجع الفنية لكنني ما زلت أصر على أنه يجب أن أدرس تاريخ الفن، وأعود إلى مقاعد الدراسة من جديد، بعد أن اضطرتني الظروف إلى ترك الدراسة في فترة مبكرة نسبياً.

هذه الرغبة في التعلم والدراسة، لم تقلل شغف «وسيم» بعمله الذي يمضي فيه ساعات طويلة حتى ينتهي مما يقوم به، وفي أوقات أخرى قد لا يشعر برغبة عارمة بالعمل، مؤكداً أن ما يسعى إليه في هذه الفترة هو إغناء تجربته الفنية بغض النظر عن المردود المادي ولهذا لا يجد حرجاً في الحديث عن أغلى لوحة «موزاييك» باعها في الفترة الماضية.

وهي لوحة اشتراها راهب من جزيرة «قبرص» قدم إلى دمشق، ودفع ثمنها 1500 دولار أميركي، في حين يقارب سعر اللوحة الكبيرة عن الحارة الدمشقية هذا المبلغ، لتتراوح أسعار اللوحات الأخرى حسب حجم ومدى الجهد المبذول، بينما تبدو فيه لوحات «موزاييك» الزجاج المعشق أقل سعراً وطلبا مقارنة بلوحات الحجر الطبيعي.

يأخذنا الوقت ونشعر أننا أطلنا على «وسيم»، رغم أنه يصر على اعتبار هذا الحوار فسحة للراحة والحديث عن هذا الفن الموغل في القدم منذ أكثر من أربعة آلاف عام، مؤكداً أنه يشعر بالسعادة الغامرة عندما يشاهد إحدى لوحاته معلقة على أحد الجدران، أو تزين سقوف الأمكنة العامة، متمنياً وجود اهتمام أكبر بهذا الفن الغني بالكثير من الخصوصية.

مختتماً بالقول:

ليس بالإمكان تقديم نسخ من هذه الأعمال العابقة بالحياة والديمومة والسحر، وهذا سر من أسرار الفن الخالد.

أنس الأموي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات