قصة شارع محمد علي

بناه الخديوي للأثرياء فصار مكاناً لهز البطن

شارع محمد علي وشهرته «شارع العوالم»، يقع في قلب القاهرة القديمة، ويعود تاريخه للعام 1873، خلال حكم الخديوي إسماعيل، ونعود للوراء إلى ما قبل ميلاد الشارع، أي قبل أن يوضع مشروع شارع طويل يربط ما بين العتبة الخضراء والقلعة وليكن امتداده على طول شارع كلوت بك الشهير حتى محطة مصر.

المنطقة منذ قرن وربع القرن من الزمان كانت مغطاة بمساحات عشوائية من كل شيء تشغل معظمها مقابر «ترب المناصرة» تحيطها أزقة ضيقة ومنازل قديمة بالطوب المتهالك، وتتخللها حمامات وطواحين وأفران وإسطبلات بهائم، ولكي ينفذ الخديوي إسماعيل مشروعه بشق شارع عصري ليتباهى بمصر الحديثة يطلق عليه اسم جده محمد علي بدأ بهدم المقابر!

الباحث عمران سيد أحمد يقول إنه تم نقل بعض عظام المقابر إلى قرافة الإمام الشافعي، وأودع البعض الآخر في صهريج بني عليه المسجد الذي عرف بمسجد العظام، وأزيلت مبان كثيرة منها جامع أزبك وأزيلت مجموعة من الحارات والبيوت القديمة والمتهالكة بلغ عددها 398 بيتًا مكونًا من أكثر من طابق، و325 مكونًا من طابق واحد، وبيعت الاراضي مقسمة بعد الهدم للأهالي على جانبي الطريق الذي سمي بمحمد علي وبنيت بيوت كبيرة ذات طابع خاص قصدها الأثرياء.

أدى افتتاح الطريق الجديد إلى سهولة الوصول إلى القلعة في أمان ويسر، كما أصبح للشارع أهمية كبيرة لموقعه المتميز القريب من القلعة وباب الحديد والقاهرة الفاطمية والسيدة زينب والمدبح والموسكي والأزبكية، وكان هذا الشارع الذي نهمله اليوم ونراه عجوزًا متربًا مرهقًا يكنس ويرش مرتين في اليوم صباحًا ومساءً، وكانت تزينه الأشجار وفنارات الغاز للإضاءة، فكان من أبهج شوارع القاهرة.

* أعظم المواقع

أما ميدان باب الخرق (الخلق حاليًا) الذي يقع في منتصف الشارع بين العتبة الخضراء والقلعة زينته ورفعت من قدره دار الكتب السلطانية الكتبخانة، ولم يأخذ الميدان شكله الحالي إلا بعد شق الشارع وردمته شركة ترام الخليج المصري الذي كان يخترق الميدان الذي سمى بميدان باب الخرق قبل تعديله لباب الخلق.

وقال علي باشا مبارك عن هذا الشارع كما ذكر محمد سيد كيلاني في إحدى كتاباته «هذا الشارع من أعظم ما تم عمله في مدينة مصر القاهرة إذ بوجوده حصل نفع كبير وفوائد جمة للعامة وغيرهم، مثل تنقية الهواء من الروائح الكريهة، وبعد أن كانت جميع الجهات التي مر بها قليلة القيمة مشحونة بالقاذورات أصبحت بمروره منها عالية القيمة مرغوبة السكن توازي أعظم مواقع القاهرة.

والشارع البادئ من ميدان العتبة الخضراء ينتهي أسفل القلعة في ميدان أنشئ عام 1912 لحين الانتهاء من إعادة بناء مسجد الرفاعي وسمى المنشية ثم أطلق عليها اسم «ميدان صلاح الدين» وقبل الوصول لميدان المنشية يمر الشارع بين جامعي السلطان حسن إلى اليمين والرفاعي إلى اليسار، وبالمرور بينهما نكون وصلنا إلى نهاية الشارع الطويل.

* رقصة البطن

ومن المفارقات الطريفة في الخاصية الاجتماعية والأدبية لتركيبة هذا الشارع أن تقيم الراقصات والمغنيات والأسطوات وفرقهن ويستقرون في هذا الشارع ويمارسن نشاطهن جنبًا إلى جنب في جيرة دار الكتب السلطانية وفي حارات على ناصيتها استقرت المكتبات والمطابع، وكان لعوالم شارع محمد علي موقف من الحكومة انتصرن عليها حين منعت الحكومة «رقصة البطن» التي انتشرت في بعض أماكن الرقص والغناء في الشارع، ولكن الراقصات اجتمعن وأقمن دعوى قضائية ضد الحكومة، وصدر لصالحهن حكم بإباحة «رقصة البطن» في المظاهر العمومية، وأنها ليست من المخالفات مادامت وسيلة تتعيش منها الراقصات والمغنيات.

ومن مفارقات شارع الأفراح أن شقة الخديوي كانت فوق مقابر الأموات، كما كان للشارع السبق في أن تخرج منه قبل الحرب العالمية الأولى معظم الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، وأن يكون مقر تحريرها مكاتب صغيرة بالشارع، ففي العام 1886 ظهرت صحيفة «الفلاح» ثم صدرت «المؤيد» بعدها بثلاثة أعوام، وتوالت بعد ذلك صحف مثل «الدستور»، «الصاعقة»، «الجريدة»، «المحروسة».

والشارع العجوز كان في شبابه يتميز بشكل معماري جميل يليق بصحفه ومكتباته والكتبخانة السلطانية، فقد كان يمتد على جانبيه من العتبة الخضراء حتى جامعي السلطان حسن والرفاعي «البواكي» الحجرية المربعة المقامة على شكل أعمدة أسفل البيوت تاركة مسافة للرصيف أمام المحلات مغطاة كمظلات تحمي المارة من المطر والشمس.

وقد قصد المهندس الفرنسي تصميم هذه البواكي حتى يجعل الشارع شبيهًا بشارع ريفولي في باريس، وكان لستانلي لين بول قول في الشارع جاء في كتاب الصحافي الرحال «ديزمونت ستيوارث» الذي ترجمة يحيى حقي وقدم له د. جمال حمدان يقول فيه: «لما جاء عهد فاروق حفيد إسماعيل أصبح الطابع الشرقي لشارع محمد علي ينم عن التخلف وانقطع انتظام البواكي فاختفى أكثرها، وأصبح جميعها متناثرًا، وأصبح اسمه الجديد شارع القلعة وصار من أقبح الشوارع في مدينة القاهرة»!.

وأصبح شارع محمد علي.. شارع الفن سابقًا في خبر كان بعد أن راحت أيامه وأقفل مدرسته التي أخرجت الكثير من أساطين الطرب والموسيقى والعوالم.. والصورة الآن مختلفة تمامًا.. أغلقت محال صناعة الأدوات الموسيقية أبوابها، وازدحم الشارع بالباعة المتجولين ومحال الموبيليا والمطاعم!.

* انقراض الراقصات

بحثنا عن أقدم ساكن بالمنطقة وهو محمود حمودة أشهر عازف طبلة وعاصر جميع نجوم الغناء المصري والعرب بدءًا من فترة الخمسينات، ومازال يقيم بالشارع حتى الآن، قال: هذا الشارع انتهى وانقرضت منه أشياء كثيرة كالأصوات الجميلة، والعزف الأصيل، حتى الراقصات انقرضن من الشارع.

أنجب الشارع أصواتًا مثل عبد الغني السيد وإبراهيم حمودة وعباس البليدي والكحلاوي وعبد المطلب وشفيق جلال وقنديل والعزبي وكارم محمود، ومن الموسيقيين كامل إبراهيم أول عازف في فرقة عبد الوهاب وإبراهيم عفيفي أحسن ضابط إيقاع وسيد كراوية أول طبال في مصر، ومن الراقصات رئيسة عفيفي، ونعيمة عبدة، ونبوية مصطفى، ونعيمة وصفية، وسامية جمال، وتحية كاريوكا، وسهير زكي.

ويضيف حمودة: لقد تغير كل شيء في الشارع الجميل وفتح أبوابه على مصراعيها لكل دخيل على المهنة، وأصبح ملجأ لمن لا مأوى له، والمحلات التي كانت تصنع العود والناي والكمان، تصنع الآن الموبيليا والكهرباء والزنكوغراف! وكان من الطبيعي أن تنقرض مهنة تصنيع الآلات الموسيقية.

* حكايات وذكريات

حسن عبد المجيد أشهر صانع لآلات الإيقاع (الطبلة والرق والدف) يظهر تعجبه مما يحدث في الشارع، ولايزال هو الوحيد في الشارع الذي يقوم بتصنيع آلات الإيقاع، ويتمسك ببريق من الأمل في أن يظل محله مفتوحًا رغم عدم وجود من يقوم بشراء آلاته ويتأسى على انحدار مستوى المهنة، ومستوى الشارع الذي انقلب من شارع للفنون إلى سوق عكاظ.

حمدي عبد النبي عازف آلة (الدهلة)، وهو من أبناء شارع محمد علي من أيام الخمسينات يقول: كان على كل منزل بالشارع لافتة مميزة مكتوب عليها اسم الأسطى أو العالمة صاحبة المنزل، وفي الستينات كانت العالمة تكسب في الليلة الواحدة أكثر من عشرة آلاف جنيه، ويتحسر قائلاً: يا خسارة على هذه الأيام! كنا نستفيد من وراء ذلك، وكتابة اسم العالمة أو الأسطى على باب المنزل كان يسهل من مأمورية أي شخص يحضر للشارع للاتفاق على فرح أو حفل.

وعلى أحد المقاهي جلس (بكر الحسيني) واسم شهرته (سوسو) يقول: إنه يعمل مطرباً منذ أكثر من ثلاثين عام ولكن الحظ لم يقف بجانبه، ويقول: إن عمله كان ينحصر في الغناء بالأفراح البلدي التي تقام بالشوارع، وعادة ما تشاركه راقصة وفرقة مكونة من ستة أفراد، وهؤلاء يجدون صعوبة كبيرة الآن في عملهم حيث تقف الشرطة لهم بالمرصاد!

«سونيا فتحي» راقصة شابة لكنها مثقفة على طريقة سعاد حسني في فيلم «خللي بالك من زوزو» تقول: تعتبر مريم الجدة الكبرى للفنانة سميحة توفيق أول عوالم شارع محمد علي، ومن أشهر فرق العوالم فرقة الأسطى «مسألشي»، «أوسة حسين»، و«نبوية شخلع»، و«سيدة اللاتسية»، و«سيدة حسين» صاحبة أشهر زفة عروسة، والعالمة «أنوس» أغلى عالمة في هذا الوقت، فقد كانت نقطتها تصل إلى خمسة وثلاثين جنيهًا، وشفيقة القبطية التي رقصت أمام أمراء مصر، وكانت صاحبة نفوذ سياسي واسع في تلك الفترة.

وفي أواخر أيامها سكنت حجرة بسيطة بحارة شق الثعبان، وماتت وحيدة فقيرة، ودفنت بمقابر الصدقة! وتشير سونيا فتحي لزوبة الكلوباتية، والتي كانت أشهر من ترقص بالشمعدان على رأسها، والتي سار في جنازتها خمسة أشخاص فقط، وعن سبب تسميتها بهذا الاسم تقول: إنه نسبه لزوجها صانع الكلوبات وأخيراً ومع مرور السنين ترفع معالم، وتوضع معالم، ويفقد المكان معناه، ولكن يبقى بعض من عبق قديم، وكثير من الذكريات، وشارع عجوز أجمل ما في حياة دار الكتبخانة ـ السلطانية ـ جامع السلطان حسن الرفاعي.

خدمة «وكالة الصحافة العربية»

القاهرة ـ «البيان»:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات