رمضان في حياتهم

الفنان التشكيلي صلاح طاهر: ذكرياتي الرمضانية مزركشة بالألوان

ت + ت - الحجم الطبيعي

ذكرياتي الرمضانية مزركشة بالألوان هكذا يصف الفنان التشكيلي الكبير صلاح طاهر ذكرياته الرمضانية ففي حي العباسية الشرقية الراقي بالقاهرة تفتح وعيه على طقوس وعادات رمضانية ارتبطت بوجدانه حيث زينة رمضان والفوانيس وفضيلة التزاور بين الأسر وصنع أصناف الحلوى داخل البيوت.

والتي كانت سمات مميزة لهذا الحي الراقي غير أن الذي علق أكثر بوجدان الطفل صلاح طاهر هما مشهدان مؤثران الأول مشهد والده وهو يمسك بأحد الكتب الدينية ويجلس في أحد أركان البيت ويستغرق في قراءته بعد ذلك أصر صلاح على أن يكون له مكتبة خاصة.

المشهد الثاني هو زينة رمضان وفي ذلك يقول صلاح طاهر «في شهر رمضان بدأت علاقتي مع الرسم والفن وعلاقتي بالألوان خاصة مع زينة رمضان، حيث كان الأطفال في المنطقة التي كنت أسكن فيها يحضرون لي كميات كبيرة من قصاقيص الورق والتي كانت غالباً من كراريسهم وكتبهم المدرسية القديمة، وبعض الصبغات والتي كنا نتفنن فيها مثل الكركاوية وورق البصل الأصفر.

حيث كنا نقوم بغلي هذه الأعشاب كل على حدة ثم نضع فيها القصاقيص الورقية لتصطبغ بلونها، وكنا نقوم بعد ذلك بتنشيفها تحت ضوء الشمس الذي يعكس ألوانها الزاهية وكنا نفرح لنجاح تجربتنا هذه حيث كنا لا نستطيع شراء الألوان نظراً لارتفاع ثمنها عن مصروفاتنا الضئيلة وكنت أقوم أنا بجمع هذه القصاقيص ونصنع منها فوانيس عدة ونعلقها بالحبال بين النوافذ وكانت هذه هي تجربتي الأولى مع الألوان في رمضان.

ويتذكر الفنان الكبير ألعاب الطفولة في شهر رمضان قائلاً «كانت الألعاب تتم في المدرسة حيث كنت تلميذاً غير مجتهد فقد كانت تطلعاتي خارج أسوار المدرسة دائماً وكنت أمارس رياضة الملاكمة وأتذكر أنه في أحد الأشهر الرمضانية كان على إجراء تدريبات مكثفة لخوض بطولة مصر بعد انتهاء الشهر الكريم وكان ذلك وأنا في سن السابعة عشرة وتوالت علي النصائح بأن أفطر في الأيام الأخيرة من هذا الشهر فرفضت ذلك وصممت على تكملة الأيام الأخيرة وخضت البطولة وفزت بها في هذا العام والأعوام الأربعة المتتالية.

ويواصل صلاح طاهر رغم حبي للرياضة إلا أن الفرشاة لم تفارق يدي ولأن زينة شهر رمضان كانت أول ما لفت نظري من طقوس ومظاهر هذا الشهر الكريم أشعر بأن الفرشاة أكثر تطويعاً في يدي كلما أتى هذا الشهر الفضيل، ففي رمضان أستطيع أن أطوع الفرشاة في يدي لأبدع أفضل وأكثر من أي وقت آخر طوال السنة، حيث يسبب لي الصيام نوعاً من الصفاء والروحانية والنقاء الذي أستطيع من خلاله رؤية أشكال أفضل ومشاهد أجمل، وهو شعور نادر يزيد رؤيتي عمقاً لا يعرفه سوى الفنان.

ويضيف طاهر «الفضل بالطبع في ذلك يرجع لشهر رمضان المبارك فالصيام يجعلني أكثر تركيزاً ويتيح لي فرصة العمل لساعات طويلة فأظل ممسكاً بالفرشاة دون ملل، لذا فمعظم المعارض التي أقيمها انتهى من لوحاتها في هذا الشهر وأعتبره فرصة للتفرغ للعبادة المتمثلة في العمل الذي أقوم به.

ويتذكر الفنان التشكيلي صلاح طاهر قصته مع أول معرض أقامة وقصة لوحة حاول الانتهاء منها في إحدى الليالي الرمضانية قائلاً «كانت محافظة المنيا المحطة الأولى التي شهدت أول معرض خاص لي وكان ذلك في العام 1935 وكان يتضمن لوحة استعصت علي طوال شهور العام إلا أنني لم انته منها إلا في أحد ليالي رمضان وقد حاولت مع هذه اللوحة كثيراً».

طوال شهور السنة، ومع بداية شهر رمضان قررت أن ننتهي منها إلا أنها أيضاً استعصت علي وذات ليلة بعد السحور قررت السهر حتى الصباح أمامها لمعرفة سبب إحساسي بعدم اكتمالها ووجدت أن اللوحة لا ينقصها شيء زبداً إلا مجرد وضع اللمسة الأخيرة حتى تكتمل وظللت اقلب وجهي في السماء إلى أن اكتشفت أن عنصر الضوء متغيب عن اللوحة واكتشفت ذلك في صفحة السماء وضوء القمر الذي يبعث الضوء في عتمة السماء في ليل رمضان.

وهنا بدأت ارسم ظلالاً ضوئية مستوحاة من ظلال القمر في ليل السماء وكانت هذه اللوحة سبباً في حصولي على العديد من الجوائز وتم بيعها بمبلغ كبير جداً من المال ويقول صلاح طاهر «كان ذلك في معرضي الأول الذي أقمته بعد معاناه استمرت سنوات بعد تخرجي في مدرسة الفنون الجميلة العام 1934 وكان سبب هذه المعاناه وطأة التقاليد الأكاديمية التي درستها على أيدي الأساتذة الانجليز والإيطاليين وقد اتجهت في البداية إلى الريف المصري، مدفوعاً بحب المناظر الطبيعية، حيث ظهرت في أعمالي الأولى المسحة التأثيرية وفي هذا الوقت كنت أعمل مدرساً للرسم بمدرسة المنيا الابتدائية.

إلا أن معرضي الثاني فقد أقمته في شمال الوادي بالإسكندرية العام 1939 والتي شددت الرحال إليها متأثراً بتعاليم أستاذي أحمد صبري ثم نادتني القاهرة بعد أقل من عامين للعمل مدرساً للرسم، بمدرسة فاروق الأول الثانوية، لكن سرعان ما عينت مدرساً للتصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة.

ويؤكد صلاح طاهر أن مسيرته الحافلة بالانجاز الإبداعي والفني، تعتمد على مخزون من التجارب والذكريات وخاصة الذكريات الرمضانية التي تمتليء بالصفا والروحانية.

القاهرة ـ البيان

طباعة Email