رواية الكاتب ستيورات باتون

ابك يا بلدي الحبيب

يتلقى كومالو رسالة من كاهن آخر لا يعرفه اسمه مسمينغو يطلب منه الحضور إلى جوهانسبرج لأن أخته جيرترود مريضة. وهنا تعارض زوجة كومالو سفره خوفاً من أن يرحل ولا يعود كالآخرين ولكنه يقنعها أنه سيعود وأنه ليس كالآخرين فيضطر إلى السفر نحو المجهول مستعينا بالمال المدخر لتعليم ابنه ابسالوم في كلية سانت تشاد.

وعندما التقى كومالو مع مسمينغو تحدثا عن كيفية تفكك القبيلة وانهيار المنازل وتحطم القيم والإنسان وكيف أن الناس رحلوا عن الريف وانقطعت أخبارهم، وكيف أن الشباب الذين رحلوا نسوا عاداتهم وعاشوا حياة الاستهتار والكسل.

ويصدم كومالو في جوهانسبرج عندما يعلم أن أخته جيرترود مارست الدعارة وصنع الخمور الرديئة وأن جريمة قتل حدثت في بيتها وأنها دخلت السجن مراراً ثم صدم عندما التقى أخاه جون كومالو الذي طلق زوجته منذ عشرة أعوام وأهمل تربية ابنه ويعيش مع امرأة أخرى في الحرام مخالفاً تعاليم الكنيسة، ناشطاً سياسياً محتجاً على القبيلة والكنيسة في آن واحد: هناك شيء جديد ينمو هنا، إنه أقوى من أية كنيسة أو زعيم، سوف ترى ذلك ذات يوم، هكذا خاطب جون أخاه الكاهن ستيفن كومالو.

ثم صدم كومالو عندما وجد ابنه ابسالوم بعد بحث طويل وقد ارتكب جريمة قتل راح ضحيتها المهندس الأبيض آرثر جارفيس الشاب المناضل في سبيل العدالة والمواظب على زيارة الكنيسة ووالد لطفلين.. ابن الثري جارفيس الذي يعيش في منطقة اكسبو حيث يعيش كومالو.

ابسالوم الذي ارتكب الجريمة بمعاونة اثنين من الغلمان الطائشين أحدهما ابن عمه ورغم ادعاء ابسالوم أنه لم يقصد قتل آرثر جارفيس لحظتها وأنه جاء مع الاثنين الآخرين للسرقة وليس للقتل وأنه أطلق النار من مسدسه في لحظة خوف إلا أنه حكم عليه بالإعدام شنقاً ابسالوم وقبل دخوله السجن كان يعيش مع فتاة تحمل في أحشائها جنيناً منه، لذا طلب منه والده أن يتزوجها وهو في السجن ينتظر عقوبة الإعدام لكي يتسنى له من بعد تنفيذ حكم الإعدام تربية الطفل.

وعندما يقرر كومالو العودة إلى اكسبو أراد أن يصطحب معه أخته جيرترود وطفلها وزوجة ابنه لرعايتها هي وجنينها إلا أنه يفاجأ في الفجر من جديد بهرب أخته تاركة طفلها.. فيعود مع زوجة ابنه وابن أخته الهاربة محطماً.

وفي ليلة تنفيذ حكم الإعدام بابسالوم يذهب الكاهن كومالو إلى الجبل وفي الطريق يلتقي مع جارفيس والد القتيل ويدور بينهما حوار قصير.. ومع الفجر، لحظة تنفيذ حكم الإعدام لا يسمع كومالو سوى نحيب طائر التيتيهويا وكأنه يعبر عن حزنه هو.

لقد اختار كومالو الجبل لأنه أعلى مكان يمكن أن يقصده في أكسبو لعل روح ابنه تلتقي بروحه في ذلك المكان الرحيب بعد إعدامه. وهناك يمكنه أن يصلي من أجله أيضا فموت ابسالوم يعني له موت جانب مهم من حياته، يعني أن جذوة حياته ستنطفئ مع موته فهو ولده الوحيد، وأن الحفيد الذي سيولد سيبقى الذكرى الوحيدة من ابسالوم.

والمؤلف آلان ستيوارت باتون من مواليد سنة 1903 في بيترمارتيزبرغ في جنوب إفريقيا اهتم بمشكلات بلاده الاجتماعية والعرقية، فهو كاتب ومصلح اجتماعي في آن واحد. تخرج من جامعة ناتال بامتياز وامتهن التعليم مدة 10 سنوات حتى سنة 1935، وخلال هذه الفترة تزوج من دوريس أوليف فرانسيس، رزق منها بطفله الأول «دافيد» بعد سنتين من زواجه أي سنة 1930، أما طفله الثاني جوناثان فقد ولد سنة 1936 ثم تولى رئاسة إصلاحية ديبكلوف للأحداث الجانحين بالقرب من العاصمة جوهانسبرج وأدخل عليها إصلاحات تربوية وثقافية.

وفي رواية (ابك يا بلدي الحبيب) مؤلفه الأول التي نشرها في فبراير سنة 1948 حقق آلان باتون النجاح والشهرة ليس في جنوب إفريقيا وحسب بل وفي العالم أيضا لأنها سلطت الأضواء على ما يعانيه السود أمثاله من التمييز العنصري ثم ترجمت الرواية إلى عدة لغات وتحولت إلى أوبرا تحت عنوان (تائهون في النجوم) سنة 1949 والتي وضع ألحانها الموسيقار الشهير كورت ويل، ثم تحولت إلى فيلم سينمائي سنة 1952 من إخراج زولتان كوردا.

ومن أشهر روايات آلان باتون تأخرت كثيراً يا طائر الشطآن ـ 1953 الأرض والشعب في جنوب إفريقيا ـ 1955 حكايات من الأرض المضطربة ـ 1961 المشهد الطويل ـ 1968.

أسس باتون حزب جنوب إفريقيا الليبرالي وقاده حتى سنة 1968 وساند باتون نلسون مانديلا أثناء محاكمة الأخير واتهامه بالخيانة والحكم عليه بالسجن سنة 1964 وظل سجينا حتى سنة 1990 حيث أطلق سراحه ثم أصبح رئيسا لجنوب إفريقيا سنة 1994 بعد أن أصبح أشهر سجين في العالم ورمزا للباحثين عن الحرية.

وفي سنة 1967 توفيت زوجة باتون الأولى دوريس، وبعد سنتين من وفاتها تزوج من آن مارغريت هوبكينز، ومواصلا الكتابة.

وعاشت جنوب إفريقيا ردحاً من الزمن تعاني فيه من التمييز العنصري عندما استولى عدد من البيض لا يزيدون على ربع السكان على مقدرات البلد، استولوا على الأراضي وأذاقوا سكانها الأصليين مرارة العبودية والاستغلال والتمييز العنصري..

ففي سنة 1948 وهي سنة إصدار الرواية استلم الحزب الوطني الذي يسيطر عليه البيض الحكم وقننوا السياسات العنصرية وأنشأوا دولة بوليسية منبوذة على المستوى العالمي وأقاموا المجازر والمذابح بحق السود أصحاب البلد الأصليين كمذبحة شاربفيل سنة 1960 التي راح ضحيتها حوالي 70 من السود عندما أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين المحتجين على الممارسات العنصرية، وكذلك مذبحة سويتو سنة 1976 ضد الطلبة واغتيال الناشط الأسود ستيف بيكو.

أما المضحك المبكي في آن واحد هو كيفية تمييز الشخص الأبيض من الأسود في جنوب افريقيا إبّان الحكم العنصري، إذ يحضر مجموعة من البيض يجلسون على طاولة طويلة يطلقون عليهم مجلس التصنيف العنصري ويحضرون الشخص المراد تصنيفه إن كان من البيض أم من السود فيجلس أمامهم ثم يقومون بتمرير قلم في شعر رأسه فإذا مرّ القلم بسهوله خلال شعره فهو من البيض وله كل الامتيازات.

الأمر الذي يعني الضمان الاجتماعي في أحلى صوره كالرعاية الصحية والضمان الوظيفي وفرص التعليم والإسكان وغيرها أما إذا لم يمر القلم في شعره بسهوله فهو من السود ويحرم من كل الامتيازات وعليه ينطبق قانون التمييز العنصري، ذلك القانون الذي يحرمه من الكثير من الحقوق كإنسان كأن يمنع من حق التملك في بلده أو يمنع دخوله إلى بعض الأماكن الخاصة بالبيض فيمنع مثلا من دخول بعض المطاعم هو والكلاب ويعاقب عقابا شديدا إذا وجد لافته معلقة في واجهة مطعم تقول : ممنوع دخول السود والكلاب ثم تجاهلها ودخل المطعم فالويل له عندئذ، فربما يفقد حياته لهذه الجسارة والاعتداء !

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام مثل هذه المهازل هو ماذا لو أن الشخص المراد تصنيفه كان أصلع ؟؟!! وقد توفي آلان باتون سنة 1988 في ناتال بجنوب افريقيا قبل أن يرى رفيقه نلسون مانديلا حرا ورئيسا لجنوب افريقيا، مانديلا الذي أمضى في السجن أكثر من ربع قرن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات