أحمد مختار.. أول معلم إماراتي كفيف

صورة

ولدتَ كأي شخص طبيعي، لكنك فقدت البصر وأنت في الخامسة عشرة من العمر، فهل لك أن تحدثنا عن حالتك؟ وكيف فقدت بصرك؟ وهل أثّر هذا على معنوياتك وأحلامك؟

نعم ولدت إنساناً طبيعياً عام 1954، مبصراً، ولكن في عام 1968 أصبت ببعض الالتهابات ولم يكن الطب في ذلك الوقت متطوراً، فلم أتلقَ العلاج المناسب، وأدى ذلك إلى تعرضي لانفصال في الشبكية. وبالتدريج بدأت أفقد البصر، فزرت مستشفيات عدة في الخارج في تلك الفترة، وقد أرسلني المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، إلى الخارج للعلاج، لكن لم أحصل على أي نتيجة إيجابية. وبعد الاتحاد مباشرة ذهبت إلى بريطانيا للعلاج، ولم يكن هناك أمل في حالتي كما فهمت.

التحقت بمعهد خاص للمكفوفين في البحرين لإكمال دراستك، فهل واجهت صعوبة في تعلم طريقة «برايل»، بعد أن كنت في مدرسة عادية؟

حبي للعلم ودعم أسرتي لي واحترام رغبتي في إكمال تعليمي، كل ذلك دفعني لاتخاذ قرار إكمال دراستي. كما أنني لا أنسى المغفور له بإذن الله، عبدالله تريم وزير التربية والتعليم الأسبق، الذي يعود له الفضل الكبير في مساندتي ودعمي لمواصلة مشوار التعليم. فقد ابتعثني مع 6 من الطلاب المكفوفين على مستوى الدولة للدراسة في البحرين. كان ذلك عام 1972.

والتحقت أنا وزملائي بمعهد النور في البحرين. وهو معهد أسس بمساهمة من دولة الإمارات، بعد أن كان تابعاً للمركز الإقليمي في السعودية. في بداية دراستي واجهت صعوبة، إذ فوجئت بمناهج «برايل» التي كانت عبارة عن مجرد نقاط، فكانت غريبة بالنسبة لي، وفي البداية ظننت أنها نفس الخط العادي، ومرسومة فقط من خلال النقاط، وسرعان ما اتضح لي أنها تختلف بشكل كامل.

 وبما أنني قبل أن أفقد البصر كنت أدرس في مدرسة للأسوياء، وقد وجدت في المعهد مجموعة من الطلبة الذين تقدموا علينا بعدة شهور في الدراسة، لذا قررت العودة إلى الدولة وترك الدراسة. ولكن إدارة المعهد أقنعتني بإكمال الدراسة، وأنه من الطبيعي أني سأجد صعوبة في تعلم هذه اللغة. وبعد فترة اعتدت عليها، فأكملت دراستي الابتدائية والإعدادية في المعهد. وفي المرحلة الثانوية كنت من أوائل الطلبة الملتحقين بمدارس الدمج، وفي عام 1982 تخرجت من الثانوية بمعدل جيد جداً.

علمنا أنك أول معلم كفيف في الدولة وأول من بادر بتعليم الطلاب المكفوفين بطريقة «برايل»؟ هل لك أن تحدثنا عن هذه التجربة؟ وهل واجهتك صعوبات؟ وكيف تغلبت عليها؟

عدت إلى الدولة وكنت أتطلع إلى إكمال دراستي الجامعية، فتقدمت لجامعة الإمارات، لكني لم أُقبل لعدم توفر مناهج «برايل». فكانت التجربة جديدة لم تُطبّق في الجامعة في ذلك الوقت، فقررت أن ألتحق بالعمل في مركز المعاقين التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية، وبدأت تعليم الأطفال المنتسبين للمعهد. إذ لم تكن لديهم مناهج مطبوعة بلغة «برايل»، فقدمت لهم الكتب ووسائل التعليم المختلفة التي كانت متوفرة لدي، وبدأت طباعة مناهج اللغة العربية والرياضيات ووضعها في ملفات ووزعتها على الطلبة..

فكنت أول من طبع المناهج بلغة «برايل» في المركز، وقد استعان مركز ذوي الاحتياجات الخاصة في أبوظبي بنا لتوفير المناهج الخاصة بالمكفوفين. وفي النهاية فإن دور المعلم لا ينحصر في التلقين والتعليم، بل عليه أن يربي ويضحي ويتعامل مع الطلبة كأنهم أبناؤه، فهم جيل المستقبل.

مختار.. مارس التدريس 30 سنة ويعمل حالياً «اختصاصي إعاقة بصرية»

 

 تحديت الإعاقة وانتصرت عليها بقوة إرادتك، برغم عدم توفر مناهج جامعية بطريقة «برايل» في الإمارات في ذلك الوقت، ولم تيأس بل واصلت مشوار دراستك الجامعية، فما الذي دفعك إلى ذلك؟ وأين أكملتها؟

تابعت العمل في التعليم من عام 1982 إلى 1988، ثم قدمت أوراقي للالتحاق بالجامعة في البحرين لإكمال دراستي، فواجهت مشكلة مع الجهة التي أعمل بها، إذ لم يكن هناك بديل ليكمل تعليم الطلبة، ولكن أمام إصراري تمت الموافقة.

وفي عام 1993 تخرجت من الجامعة، في تخصص اللغة العربية والتربية. وفي دراستي الجامعية لم أجد صعوبة، فقد كنت اعتمد على السمع والتسجيل وتلخيص المحاضرات بطريقة «برايل»، لذلك كنت أنوي المتابعة للحصول على شهادة الماجستير، ولكن بسبب الظروف العائلية عدت لأكمل مشوار التعليم في مركز المعاقين. ولكن حين تقرر تطبيق الدمج، عملت في المركز التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية، وفي مدارس وزارة التربية والتعليم، من خلال الزيارات الميدانية وتدريب المعلمين على استخدام المناهج المطبوعة بلغة «برايل» وكيفية التعامل مع الطلبة المكفوفين على مستوى الدولة.

الآن أنت اختصاصي إعاقة بصرية وشاركت في الكثير من الورش التدريبية للمعلمين والمعلمات لتدريبهم على طريقة «برايل»، وهذا من صميم عملهم، وهم في حاجة له. لكن ما الهدف من تنظيم دورات تدريبية لأولياء أمور الطلبة المكفوفين؟ فهل هناك رسالة تود إيصالها لهم من خلالها؟

عام 2011 انتقلت للعمل في وزارة التربية والتعليم بوظيفة اختصاصي إعاقة بصرية، وخلال هذه الفترة نفذت الكثير من الدورات التدريبية وورش العمل للمعلمين، حيث إنني مارست مهنة التعليم على مدى 30 سنة، فاكتسبت خبرة كبيرة في هذا المجال. فمن خلال هذه الدورات نقلت خبرتي للمتدربين لتعم الفائدة، كما أنني دربت أولياء أمور الطلبة المكفوفين على كيفية التعامل مع الطفل المعاق من المراحل السنية الأولى، فمعظم الأسر التي لديها طفل كفيف، لدي معها علاقة مباشرة ومتابعة مستمرة. فهم بحاجة إلى من يوجههم ويساعدهم على تفهم احتياجات الطفل الكفيف، كي يستطيع العيش بشكل طبيعي وحتى يتكيف مع أقرانه.

أود من خلال مجلة «العلم اليوم» أن اوجه اقتراحاً لوزارتي التربية والتعليم والصحة، من أجل التعاون في متابعة الطفل الكفيف منذ الأيام الأولى للولادة، بحيث تقدم وزارة الصحة تقريراً كاملاً عن حالة المولود إن كان كفيفاً أو به أي إعاقة أخرى، إلى وزارة التربية، ليتسنى لها متابعته من خلال تأهيل الأسرة للتعامل معه، وكيفية تعويد الطفل على استخدام حواسه في الاكتشاف والتعلم..

حيث لاحظت أن الكثير من الأسر تخجل وتشعر بالحرج إذا تم اكتشاف أن أحد أبنائها يعاني إعاقة معينة. وهذا يُعد خطأ كبيراً، فالطفل المعاق في أمس الحاجة إلى المساعدة منذ البداية وليس بعد أن يكمل أربع سنوات على السبيل المثال.

ومن واقع عملي واحتكاكي بالسر مع الكثير من الأسر، واجهتني الكثير من هذه الحالات، حيث تُلحق الأسرة الطفل بالمركز وقد بلغ من العمر 3 أو 4 سنوات، لنجد صعوبة في التعامل معه، لأنه لم يجد من يعلمه أو يساعده على استخدام حواسه، وقد ترك للخادمة التي تجهل بدورها الأساليب الصحيحة في التعامل مع الطفل الذي يعاني إعاقة ما. لذلك أقوم بتنظيم ورش تدريبية لأولياء الأمور باستمرار، وأطالبهم بمتابعة الطفل بشكل مستمر ومباشر، حتى يتغلب على إعاقته.

هو والأبناء

 قال أحمد مختار: لي خمسة من الأبناء، أكبرهم في الصف الثامن، وأصغرهم في الروضة. وجميعهم متفوقون في دراستهم. وأضاف: أنا ملتحق بجمعية المكفوفين، كما أنني أمارس هوايتي المفضلة، وهي القراءة والمطالعة، ومتابعة آخر المستجدات في مجال المكفوفين، وما توصل إليه العالم من أساليب جديدة ومتطورة في التعليم، وأطمح إلى أن أرى أبنائي في أعلى المناصب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات