لقبي

في إحدى سفراتي إلى خارج الدولة، صادف وجودي في الطائرة وجهاً مألوفاً لدي، كان يجلس بالقرب مني، وجه كساه الشيب، لكن ملامح الصرامة لم يتغير منها شيء.

 

أكثر من عشرين عاما مرت على آخر لقاء، الصوت ما زال في الأذن محفورا، واليد على الخد مطبوعة، والكلمات رنينها وصداها ما زال باقيا.. عزيزي الأستاذ محمود: كيف حالك؟

 

أهلا.. هل تعرفني؟ أنا فلان ابن فلان.. أهلين.. يا ولد حط الشنطة فوق.. طبعا يوجه كلامه لأحد مرافقيه، وكأنه اكتفى بكلمة أهلين التي رماها علي لإنهاء الحديث. طبعا أنا لم أستسلم.

 

وكان بودي أن أتواصل أكثر معه، فبادرته بسؤال لشد انتباهه: شو أخبار ولدك لؤي؟ فبمجرد سماعه اسم ولده، انتبه لي وابتسم ابتسامة خفيفة، .

 

وقال لي: هل تعرف ابني؟ فقلت له لا أعرفه كثيرا، ولكني أعرفك أنت، فأنت الأستاذ محمود الذي درسني الرياضيات لمدة ثلاث سنوات في المدرسة قبل أكثر من عشرين سنة.

 

وهنا أعدت له اسمي مرة أخرى، ومن ملامحه بدأ يتذكرني قليلا، وحتى يتذكرني أكثر، قلت له: أنا فلان اللي كنت تناديني بلقب........ في المدرسة(اللقب هذا للأسف مازال أصحابي ينادونني به حتى الآن ويزعجني كثيراً).

 

وبمجرد سماع لقبي، أخذني بالأحضان: أهلا أهلا شو أخبارك؟ طبعا هو لا يتذكر اسمي الحقيقي، ولكنه خجل أن يناديني بلقبي، فأخبرته باسمي مرة أخرى. وطال الحديث بيننا طوال السفر، .

 

وكان أكثر الحديث من جانبي، سردت فيه أغلب ذكرياتي معه وخاصة سبب إطلاقه اللقب المذكور عليّ، والإحراج الذي كان يسببه لي مع زملاء في الدراسة، وأصدقائي بعد ذلك.

 

الألفاظ والألقاب التي يطلقها المعلمون في بعض الأحيان على التلاميذ، لها كما هو معروف تأثير أكبر بكثير من الضرب.

 

نعم نحن كنا نُضرب في المدارس، ولكن مع مرور السنين ننساها، ولكن حالة كحالتي، فإن اللقب الذي كان يردده "الأستاذ محمود" باستمرار في الصف، سبب لي الكثير من المضايقات. كنت أتمنى أن يصفعني يوميا ولا يناديني به أمام زملائي.

 

لذا فأنا أتمنى أن يبتعد المعلمون عن قذف طلابهم بعبارات لفظية جارحة، فتكرار مثل هذه الألفاظ والألقاب تؤثر في الطفل والمراهق بدنياً واجتماعياً وعلمياً، وعلى جميع جوانب النمو في شخصيته.

 

فكما قلنا وأكدنا بأن تأثير الألفاظ الجارحة أكثر إيذاء وتدميراً من العنف البدني الضرب. فالطفل قد ينسى آلام الضرب بعد دقائق، لكن من الصعب عليه نسيان الإهانة اللفظية التي تترك في نفسه آثارا سيئة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات