رمضان الأردن.. عبق الماضي وألق الحاضر

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

قبل شهر من حلول رمضان المبارك، يبدأ الأردنيون في ترقّب الشهر الفضيل الذي يحمل معه اختلافاً جذرياً في معالم الحياة وتفاصيلها اليومية عند كل الأسر، فيما تتزين المنازل والمساجد والمحال التجارية بالمصابيح والأهلّة مع حلول شهر شعبان، لترسم مشهداً رائعاً يسرد حكايا فريدة من نوعها. 

ولعل العاصمة عمّان، لاسيّما وسط البلد، هي أكثر الأماكن التي تتجلى فيها لوحة رمضان بكل وضوح وجمال أخاذ، حيث تزدحم الأسواق الشعبية وتتعالى أصوات الباعة الذين يجدون في اقتراب الشهر الفضيل فرصة ذهبية لتحسين أوضاعهم المادية، فيما يشكّل المسجد الحسيني والذي يعتبر من أقدم المساجد، قِبلة للمصلين.

ولا يهدأ وسط البلد طوال شهر رمضان، فمنذ الصباح وحتى وقت السحور مع حلول الفجر، تضج المنطقة بحركة الأردنيين القادمين من مختلف المناطق والباحثين عن معالم شهر لا يتكرر سوى مرة كل عام ويشكل وداعه غصّة في حلوق الصائمين.

وتظهر ملامح الشهر الفضيل في منطقة وسط البلد بشكل مغاير، من بائع القطايف وهي الحلوى الأشهر عند الأردنيين، إلى المقاهي الشعبية التي تفتح أبوابها للعائلات والشباب لاحتساء الشاي والقهوة وقضاء أوقات رائعة حتى يأتي صوت المسحراتي متجولاً بطبله ويردّد عبارته الشهيرة: «يا نايم وحد الدايم».

ويزخر الشهر الفضيل بمشاهد الخير بدءاً من الإفطارات التي تُعد للأسر المتعففة، وموائد الرحمن للفقراء والمحتاجين، فيما ينتشر الشباب الطامحون لكسب الأجر وتحقيق الترابط الاجتماعي، في كل مكان قبل رفع أذان المغرب بدقائق عند الإشارات الضوئية لتوزيع التمر والماء على الكل.

كما حفر «مدفع رمضان» مكانه في وجدان الأردنيين، إذ ارتبط صوته مع أول تكبيرة لأذان المغرب بعد دوي مميز ينبه الناس بأن وقت الإفطار قد حان. يدوي مدفع رمضان طوال مائة عام ولا يزال كأحد أقدم التقاليد التي توارثتها الأجيال.

ماضٍ وحاضر

تغيّرت معالم شهر رمضان وصوره في ذاكرة الأردنيين على مر الحقب والعصور، إلّا أنّه لا يزال محتفظاً برونقه وجماله واستثنائيته.

وتلاحق السبعينية أم الرائد العدوان، ذكريات رمضان في الطفولة والصبا والشباب، تقارن دوماً بين الماضي والحاضر، قائلة: «رمضان يبدأ من شعبان حيث تأتي الشعبانية وهي عادة يولم بها الإخوة للأخوات والعمات على مائدة الغداء ويمنحوهم ما تيسر من مال ومؤن حتى تستقبلن رمضان في يسر، كنا نفطر جميعنا عند كبير العائلة، كانت المائدة بسيطة مكونة من طبق رئيسي وما توفره الأرض من خضروات، ورغم بساطة الأوضاع كنا نرسل دوماً طبقاً للجيران «الطُعمة» ليتذوقوا من طعامنا، ومن ثم تبدأ التعليلة بعد صلاة التراويح عند كبير العائلة متخذين من لعبة السيجة وأحياناً المنقلة وتناول الحلويات مثل اللزاقيات والقطايف والبجيلة، وشرب القهوة حتى وقت السحور».

تغيرات

ولم تقتصر التغيرات على نمط حياة الأسر بل طالت مختلف الجوانب، إذ يقول التاجر الستيني، علاء الدين ديرانية، أحد تجار عمّان، إنّ ما رآه من تغيرات في رمضان خلال السنوات الماضية خلق لديه حالة من الدهشة، لاسيما في السوق الذي أمضى فيه أكثر من أربعين عاماً، مضيفاً: «في الماضي كانت المتاجر تفتح بعد صلاة الفجر وتغلق بعد صلاة العصر ونذهب بعدها إلى منازلنا للإفطار، ويبقى السوق مغلقاً إلى اليوم التالي، تغيّر الحال الآن، إذ ازداد أعداد المحال بشكل ملفت، وحركة السيارات في الشوارع لا تتوقف، والجامع الحسيني كان يشهد ازدحاماً دائماً بكثرة أعداد المصلين الذين يضيق بهم الجامع ومحيطه».

يشير ديرانية، إلى أنّ حركة التجارة كانت هادئة في السوق في سبعينيات القرن الماضي، فيما شهدت حقبة الثمانينيات نشاطاً تجارياً كبيراً زاد من أعداد المحال ليختلف التعامل مع رمضان وفقاً لذلك، مضيفاً: «الحياة كانت بسيطة ولم يكن في وسط البلد سوى عدد قليل من المقاهي، وحتى آخر الثمانينات ازدادت بشكل ملحوظ وأصبح الشباب يرتادونها، ومع حجم التغيرات يبقى رمضان الشهر الأجمل خلال العام».

 

طباعة Email