صدّام العبدالله والأحلام الممتدة بين المراعي

بين صدّام العبدالله وبين هذه الحقول والوديان حكاية صداقة، كبرت مع خطوات أرجله المزروعة، وتعزّزت حيثما يسوق قطيعه .. صدام فتى سوري يتيم الأب.. نزح من دير الزور السورية إلى «ديار الغربة»، حيث الأحلام المؤجّلة، يحمل الفتى جدييْه المفضّليْن: «ديْر» و«زور».. اسمان، نما معناهما في مخيّلته، تمسّكاً منه بـحتميّة «العودة» ولو بعد حين.

عصا الراعي، المقلاع، الزريبة، الدار، «الجرْفة»، «الترويسة»، «التسريبة»، «التأييلة»، مفردات ترسّخت في ذاكرته وهو يجتاز المسافات متتبّعاً قطيعه، ونمت معانيها بين الصخور في مخيّلة آماله. وهكذا، لم يتردّد في التعريف عن نفسه لـ«البيان» بكلمتيْن: «الراعي النازح»، وفي التعريف تكمن حكاية الطفل السوري صدّام العبدالله.

صدّام.. طفل سوري يتيم الأب، يستعدّ لاستقبال ربيعه الثاني عشر، بعيداً عن صفوف الدراسة المعطلة حالياً لأمثاله، حتى افتراضياً،.

ومن دون أسباب موجبة. نزح من دير الزور السورية إلى «ديار الغربة»، وفق تعبيره، حيث الخيمة الجاثمة على أكوام من ضيق الحال والأحلام المؤجّلة، وحيث أُرغِم على أن يعيش طفولته في المنام، تحت السماء حيناً وفي خيم النزوح أحياناً، ويدخل نهاره برجولة قسريّة، رسمت له خطّ حياة من دون سقف أو حقوق.. كل ما يتّقنه، بمنزلة رأس ماله الضئيل، مفردات تميّز بين الأغنام والماعز:

«تشبيق/‏‏‏ تتريع»، «قرقور/‏‏‏ جدي»، «فطيمة/‏‏‏ سخْلة»، «مرياع/‏‏‏ كرّاز»، و«غرغارة/‏‏‏ ناقوس»، ومعرفة واسعة بما يجمع بين الصنفيْن في رحلتهما اليومية باتجاه المراعي أو البراري (ترويسة/‏‏‏ صباحاً، تأييلة/‏‏‏ ظهراً، وتسريبة/‏‏‏ مساءً)، عدا عن إتقانه اللغة الخاصة بالرعيان: «تَعْ/‏‏‏ تِرّ/‏‏‏ بِرّ/‏‏‏ ترتسّْ/‏‏‏ ترْ/‏‏‏ جيء،..).

وإذْ لا همّ في حسابات من اعتاد الشرود، منذ 5 سنوات، مع قطيعه بين المرابع، فإن الغد مرتبط عنده دوماً بالرهان على حتميّة العودة إلى «الدير»، وعلى «انتهاء الموت والدمار»، وتوسّع احتمالات الحياة أمامه، لا سيما لجهة متابعة دراسته، وإنْ في مرحلة لا تتناسب مع عمره. والزمن لا يعني شيئاً في روزنامة آمالاه، يظل تفصيلاً.

مقاربة وأمل

وبرمزيّة عالية الإيحاء ببساطتها، يقارب صدّام احتمالات العودة (ممكنة، مستحيلة، وحتمية) من خلال «عصا الراعي»، فعندما يقطع الراعي غصناً لتحويله إلى عصا، يستخدم كفّ يده مستخدماً 3 كلمات: عصا، عصيّة، وعصا الراعي.. يردّد الكلمات الثلاث مراراً إلى أن يصل إلى كلمة عصا الراعي.

وعصا الراعي، في حساباته، تعني حتميّة العودة، ولوْ بعد حين. والواقع أن هذه المقاربة، الممزوجة بكثير من الخوف، وكثير من الأمل، تعكس، بوضوح، لسان حال الكثير من الأطفال والفتيان السوريين المنتشرين على امتداد لبنان، في مخيمات هي بمثابة سفارات غير معلنة لوجودهم، وفي خيم كأن لها ثوباً خيط على مقاس واحد، أو كأنها تنام وتنهض في ثوبها، لا تبدّله خوفاً من أن يضيق عليها أثناء أحلامها.

وما بين الواقع والمرتجى، يناوب صدّام على حمْل جدييْه المفضّليْن: «ديْر» و«زور».. اسمان، نما معناهما في مخيّلته، تمسّكاً منه بـحتميّة العودة، ولوْ بعد حين، وعدم الانصراف لـ«اختراع» وطن بديل، وتحديداً في «ديار الغربة»، وفق توصيفه.. يتحدث عن أحلامه، وهو ينظر إلى البعيد كمن يلملم أفكاره.

فيما حلمه الوردي، الذي يجيء في الليل بعد نهار من التعب ويبدو بالنسبة إليه مستحيلاً، في ظل الظروف التي تعيشها أسرته حالياً، فيتلخّص في شراء «بنطال جديد، وقميص جديد، وحذاء جديد.. وقبّعة»..

يستفيق من حلمه، لينظر إلى ثيابه العتيقة وإلى شبه الحذاء الرياضي الذي ينتعله في قدميْه، ويقول بلغة لا يفهمها سوى من يعيشون تجربته: «الجاي أحلى أكيد». أمّا غده، فيبقى معلّقاً إلى أجل غير مسمّى في المراعي والبراري.

والتي باتت بينه وبينها حكاية صداقة، كبرت مع دعسات أرجله المزروعة هنا وهناك، وتعزّزت في كلّ مكان يسوق إليه قطيعه، ومنها تعلّم أن «بالحب وحدو منِرجع نعمّر وطننا»، يختم صدّام، وينصرف لشروده مجدّداً.

طباعة Email