00
إكسبو 2020 دبي اليوم

قراءة في منجز الحركة التشكيلية واحتياجاتها

الفن التشكيلي الإماراتي بين الازدهار والتطلعات

ينعكس تفعيل الحركة التشكيلية والوسائط البصرية، ومدى ازدهارها من خلال آليات كثيرة معتمدة بشكل أساسي على الاستقرار والتفاعل المشترك بين الفنانين والمجتمع والمؤسسات. وازدهار الحركة الفنية في الإمارات، وسعي جميع الجهات إلى دعم تطورها، دفع "مسارات" إلى لقاء عدد من الفنانين، واستطلاع آرائهم فيما يتعلق بالمشهد الفني واحتياجاته، وفي الوقت نفسه التساؤل عن أسباب تغيرات اختيارات الفنانين لمواضيعهم بين الماضي والحاضر.

نطرح في هذا الاستطلاع قراءة للحركة التشكيلية واحتياجاتها، عبر الاستئناس بآراء مجموعة من الفنانين المحليين والمقيمين من أجيال مختلفة، وممن طوروا تجربتهم الفنية، ومن هم في بداية أو منتصف مشوارهم الفني. وتمثل الاستطلاع في سؤالين، الأول "ما الذي يحتاجه المشهد الفني المحلي لمزيد من التطور؟"، أما السؤال الثاني "لماذا عزف الفنانون بعد جيل الرواد وخاصة الجيل الجديد عن رسم الطبيعة والبيئة والتراث؟"

 

ساحة فنية

كانت فرصتنا المثلى، حينما التقينا بعدد كبير من الفنانين من أجيال مختلفة، في إحدى الورشات الفنية التي نظمتها جمعية الإمارات للفنون التشكيلية بمقرها في الشارقة، والخاصة بالفنانين من أعضاء الجمعية وأصدقائها، كما تم طرح تساؤلاتنا على عدد آخر من الفنانين الذين استطاعوا تعزيز تجربتهم ومكانتهم في الساحة الفنية.

ولا بد من التنويه قبل الانتقال إلى آراء الفنانين، أن حركة الفن التشكيلي في المنطقة العربية قد انتقلت من المفهوم التقليدي السابق، الذي انحصر في الرسم والنحت والتيارات التقليدية، لتواكب الفنون المعاصرة التي شملت الفن المفاهيمي الذي يعتمد على الفكرة ليكون الفن أداة لتوصيلها، والوسائط البصرية الأخرى كالتصوير الفوتوغرافي وفن الديجيتال.

 

القيّم والفريق

بدأنا استطلاعنا مع الفنان عبد الكريم السيد أحد الفنانين العرب المخضرمين المقيمين في الإمارات الذين عاصروا بدايات الحركة الفنية فيها، والذي قال فيما يتعلق باحتياجات الحركة التشكيلية، "بات من الضرورة في المرحلة الراهنة عمل دراسة نقدية وتحليلية حول المشهد الفني وتقييم إيجابياته وسلبياته، وكذلك دراسة فكرة الاعتماد على قيّمٍ واحد فقط لتنظيم معارض ضخمة، حيث ألغى هذا النوع من المعارض تيارات فنية لصالح تيارات أخرى تبعاً لميول القيّم.

والفكرة التي اقتبسوها من الغرب غير صحيحة فالقيم على المعارض في الخارج يرتبط بلجنة تضم ما لا يقل عن 4 أو 5 فنانين أو مختصين بالفن يعملون كفريق متكامل.

 

تشكيل كلاسيكي

أما فيما يتعلق بغياب مشاهد الطبيعة والتراث والبيئة أو بالأحرى فن التشكيل الكلاسيكي وبالأصح الأسلوب التقليدي الذي يضم الفن الحديث كالانطباعية والتعبيرية وغيرها من الأساليب، التي تتطلب اتقان الفنان لقواعد وأسس الرسم قال، "من الناحية التاريخية، تعتمد جميع الحركات الفنية في بداياتها بشتى البلدان، على الأسلوب التقليدي والتركيز على البيئة والطبيعة المحيطة بهم.

وذلك ما كان في الإمارات لينتقل الرواد من محاكاة الطبيعة إلى تبلور أسلوبهم واستخدامها كعناصر لتصبح موضوعاً مستقلا بحد ذاته، ومع تقدم العلم تطورت أدوات الفن، انتقل الفنانون الناشئون إلى مرحلة ما بعد الحداثة فيما يشبه الطفرة، بعيدا عن امتلاكهم قواعد ومهارات الفن.

ونذكر هنا على سبيل المثال الفنان حسن الشريف الذي بدأ بقواعد الفن قبل عقود ليطور أدواته ومفاهيمه ليصل إلى ما بعد الحداثة. ما يحدث حالياً هو القفز المباشر إلى المرحلة الجديدة التي لا يدركون جوهرها وعمق مفاهيمها".

 

إيقاع متغير

وكان للتشكيلي والمصور خليل عبد الواحد رأي مختلف حيث قال، "فيما يتعلق باحتياجات الساحة الفنية، أقول ان الدعم متوفر للفنانين الشباب من مختلف الجهات، لكن الفنانين بحاجة لبذل المزيد من الجهود والمثابرة والصبر والإرادة خاصة في زمن التكنولوجيا الحديثة التي لا تكفي وحدها"، انتقل بعد ذلك للحديث عن المشهد الفني بين الأمس اليوم وقال، "كان إيقاع الحياة فيما مضى هادئاً، مقارنة بإيقاع الحياة السريع في الزمن الراهن وعلينا كفنانين مواكبة إيقاعها الذي تواكبه حركة الفن وما تشمله الحركة العالمية من توجهات جديدة في المفاهيم خاصة مع الانفتاح الكبير عبر التكنولوجيا.

وهذا لا ينفي غياب الأسلوب الكلاسيكي الذي يتمسك به العديد من الفنانين الشباب مثل فريد الريس وناصر نصرالله في التشكيل، وشما العامري برسمها على الرمال، وميثاء دميثان في التصوير الفوتوغرافي وغيرهم، والذي يقدمون فنهم من البيئة برؤية معاصرة".

 

غياب

أما الفنان باسم الساير المقيم في الإمارات، والذي شارك في العديد من المعارض المحلية فقال: "أبرز الأسباب التي ساهمت في غياب الفن التقليدي، هو التصوير الفوتوغرافي وازدياد عدد المصورين الذين وثقوا البيئة والطبيعة والتراث، مما دفع الفنان إلى البحث عن أساليب ومدارس جديدة في عهد التقنيات والتكنولوجيا"، وقال بشأن احتياجات الساحة، "لا يزيد عدد الاستوديوهات الخاصة بالفنانين عن 80، على الرغم من ازدياد أعداد الفنانين في السنوات الأخيرة".

 

توفير الأدوات

وأعرب ناصر نصرالله، الفنان الذي جمع بين الفن التشكيلي والمفاهيمي عن رؤية مختلفة وقال: "التيار التقليدي للفن لم يغب عن الساحة المحلية، فهناك فن حديث من البيئة وفن معاصر بمفاهيمه العالمية مثل منى الخاجة وأحمد الأنصاري وغيرهما". وقال فيما يتعلق بالشق الثاني، "ما ينقص الساحة الفنية المحلية، توفير المواد الفنية التي يحتاجها الفنون من نوعية الورق إلى الكثير من الأدوات، التي نضطر إلى طلبها من الخارج".

 

مكانة الفنون

وعلى صعيد التصوير الفوتوغرافي قال خميس الحفيتي، فيما يتعلق بالساحة الفنية: "نحن بحاجة إلى تعزيز مكانة الفنون في المدارس والجامعات بصورة جادة، وتعزيز دورها ونشاطها في مختلف الإمارات التي لا يزال العديد منها يفتقر إلى المراكز الفنية والثقافية، وانتقال المعارض إليها". وبالعودة إلى الفنانين التشكيلين قال اسماعيل الرفاعي الذي استطاع ترسيخ مكانته في الساحة الفنية والذي تميز بأسلوبه في الفن التعبيري: "سيطر إلى حد ما على مشهد الحركة الفنية المحلية في السنوات الأخيرة الفنون البصرية المعاصرة، مع رعاية العديد من المؤسسات الكبرى لها".

 

مواضيع سريعة

وقال نايف عابد، الذي يعتبر من التشكيليين المثابرين على تطوير تجربتهم الفنية بعيداً عن الأضواء: "إن تقدم التكنولوجيا وإيقاع الحياة السريع، حال بين الفنان وفرص خروجه إلى الطبيعة وحالة التأمل، مما دفعه إلى وسائط الفنون الحديثة ومواضيع سريعة.

أما فيما ينقص الساحة الفنية فهو اهتمام الجهات المختصة بالحماية الفكرية للفنان ودعم استمراريته ومتابعة مسيرته". وكان لفنان المائيات عبد القادر حسن المبارك المقيم في الإمارات منذ عشرات السنين وجهة نظر مغايرة حيث قال: ان "جوهر الفن هو حالة الدهشة، ومع تطوير التقنيات ووسائط الاتصال غابت تلك الدهشة كعامل أساسي في الفن، مما دفع بالفنان إلى البحث عن وسائل وأساليب تحقق له تلك الغاية.

 

مشاعر الفنان

أما كريمة الشوملي، التي تعد لرسالة الدكتوراه، التي تستمد موضوعها من البيئة عبر رمز "البرقع" فتقول: "مشاعر الفنان والبيئة المحيطة به تقوده إلى أسلوبه الفني. وفي الزمن المعاصر أبعدته الظروف عن الطبيعة والتواصل المباشر معها، ليجدها عبر الانترنت عبر الصورة الفوتوغرافية الأقرب إليها. أما فيما يتعلق بالساحة المحلية فما نحن بحاجة إليه هو ثقة المؤسسات القائمة بالفنان المحلي والعربي ودعمه بصورة فعلية، من خلال تبني تجربته وتنظيم معارض له أسوة بالمعارض التي تنظم للفنانين الأجانب في المنطقة".

 

استسهال الفن

وتحدث التشكيلي فريد الريس الذي اختار الطريق الصعب والأسلوب الأصعب مع الألوان المائية، إلى جوانب أخرى، فقال: شهدت الحركة الفنية في الإمارات خلال السنوات الخمس الأخيرة ازدهاراً ملحوظاً، حيث استقطبت المعارض العالمية التي تقام بها مثل "آرت دبي" و"آرت أبوظبي" ومزادات كريستيز وغيرها، كبرى الغاليريهات العالمية والمقتنين. بالمقابل نجد الفنانين المحليين الناشئين يختارون الطريق الأسهل والأسرع حباً بالظهور والشهرة، وبالتالي تكوين فهم خاطىء عن قيمة وجوهر الفن الذي يحتاج إلى الكثير من التعلم لامتلاك المهارات الأساسية لتقديم أعمال يكتب لها الديمومة وتخليد اسمه في المستقبل.

على الرغم من رواج فنون ما بعد الحداثة في العالم، إلا أن الأعمال التي تحظى بالاهتمام وتحافظ على قيمتها وتستقطب أكبر عدد من المقتنين فهي في الفن الكلاسيكي. هناك فجوة بين أصالة الفن والفنانين المحليين المعاصرين، هذه الفجوة مسؤول عنها الفنانون أنفسهم".

 

اختلاف

وأضاف، "أنا أتحدى أغلب الفنانين الناشئين إن كانوا يمتلكون القدرة على رسم مشهد واقعي. أما ما يتم الترويج له بأن الصورة الفوتوغرافية حلت بديلاً للفن الكلاسيكي فهذا غير صحيح. فالفارق كبير فكل فنان يعرف بحد أدنى أن من يرسم الطبيعة لا يعتمد على نسخها، بل على الإحساس والتعبير عن رؤيته الداخلية لها، من خلال فكره وخصوصية ألوانه التي لا تحاكي الطبيعة، بل تنقلها إلى جماليات فنية تحمل روح الفنان بعكس الصورة".

وقال لدى سؤاله عن مدى تأثير التيارات الحديثة على النهج الذي اختاره: "هذه التيارات وشهرة الفنانين لا تأثير لها عليّ، فهدفي واضح وأدرك أن تجربتي الفنية في بناء مهارات وتطوير أسلوبي تحتاج إلى الإرادة والمثابرة والصبر، وأعرف إلى اين سأصل بعد 5 سنوات، وما بعدها".

 

قراءات

تنبع أهمية روبرت هيوز من خلال قراءته للمشهد الثقافي الأميركي والفن الغربي خلال ثلاثة عقود، فبالإضافة لكتاباته النقدية للفن وتاريخه في اميركا فقد كان قارئا مهما للمشهد الثقافي الاميركي في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ففي كتابه (ثقافة الشكوى)، والذي قام على سلسلة من المحاضرات التي القاها في جامعة كامبريدج، حلل فيه المشهد الثقافي الاميركي وانتقد فيه تسييس الفن وحركة التصحيح اللغوي، التي اصبحت حركة متطرفة تعمل على تغيير العبارات والاوصاف كي تتجنب احراج جماعات معينة.

 

انطباع ناقد

قال الناقد الفني العالمي أنطوني هيدن ـ غيست (نظير روبرت هيوز في القرن الماضي). في لقاء مع صحيفة "ناشيونال" بأبوظبي، بعد زيارته للإمارات واطلاعه على أبرز المعارض فيها: ان "الفنانين يتفاعلون مع ثقافتهم وما يعرفونه في عالم الفن. والفنانون في الشرق الأوسط، لا يحتاجون إلى انتاج أعمال تلائم السوق في الغرب، فسوقهم في حالة جيدة. وأعتقد أنهم إن استمروا في مصداقيتهم مع أنفسهم والتطور، سيجدون الكثير من المقتنين من ضمن ثقافتهم، التي ستترجم عالمياً".

 

الناقد العالمي

يمثل الناقد الفني روبرت هيوز (1938 ـ 2012) الذي توفي في نيويورك، تيارا مهما في الكتابة عن الفن والحركات الفنية والثقافية الحديثة، حيث اتصفت أعماله بالنزعة التي ترفض النزول بالفن أو الأدب الى مستوى ثقافة الاعتراف التي تعلم الحياة الثقافية والاعلامية اليوم، خاصة في المشهد الأميركي.

 

فنون مابعد الحداثة

على الرغم من رواج فنون ما بعد الحداثة في العالم، إلا أن الأعمال التي تحظى بالاهتمام وتحافظ على قيمتها وتستقطب أكبر عدد من المقتنين فهي في الفن الكلاسيكي. هناك فجوة بين أصالة الفن والفنانين المحليين المعاصرين، هذه الفجوة مسؤول عنها الفنانون أنفسهم".

طباعة Email