ما يستطيع الضوء فعله

صورة

"ما يستطيع الضوء فعله"، هذا هو عنوان كتاب الباحث والناقد والشاعر، روبير هاس. وهو، كما يعرفه مؤلفه، دراسة حول الفن والمخيلة والعالم الطبيعي.

يشير هاس بداية، إلى أنه تعلّم من سنوات شبابه الشعرية، قاعدة تقول إن النظر إلى التاريخ بجدية، يبدو بمثابة قضية مركزية للشعر. وهو يولي في هذا الكتاب انتباهاً عميقاً للتاريخ، انطلاقاً من مجموعة أعمال فنيّة، مثل الصور التي التقطها روبرت بويلتمان، لشاطئ كاليفورنيا. ومن خلال هذه الصور يحاول المؤلف "استقراء تاريخ 13 مليون سنة من جغرافية كاليفورنيا.

ويحدد المؤلف منذ البداية هدفه من عمله، بأنه يحثّ الناس، ليفتحوا عيونهم ويكتشفوا العالم المحيط بهم، في هذا العالم الجميل الزاخر بالأسرار. ولكن المشهد، كما يقول، زاخر أيضاً بالمآسي التي صنعها البشر، بسبب ما يمارسونه من عنف ويضرب على ذلك، مثال الحرب الزائفة في العراق، كما يحكي المؤلف، والتي كانت - أميركا - قد قامت بها. ويوضح، هنا، أن هناك جهلاً كاملاً تقريباً، بتاريخ وجغرافية وثقافات الشرق الأوسط.

إن هذا الكتاب، والذي تمثل دراسة المخيلة أحد محاوره، يحتوي على قدر كبير من الشعر، شعر المؤلف والآخرين. كما يناقش، مسألة الإبداع. ويحرص على أن يقدّم إلى القارئ، أدوات فهم الإبداع الشعري، عبر إدراج نماذج مختلفة من شعره، وربطها أحياناً مع حكايات صغيرة عرفتها حياته الشخصية.

ويتعرض هاس، من خلال الانطلاق إلى مشاهدات بسيطة، للتجربة الإنسانية بأبعادها الكونية، مناقشاً وجوهاً عديدة منها. ومع تأكيده في جميع الحالات، على أهمية أن يعيش الإنسان لحظات حياته، بكل عمقها وبكل ما يمكن أن تعطيه من إحساس بوجوده.

ويتضمن الكتاب، جانباً ذا علاقة مباشرة بالسيرة الشخصية لكاتبه، أو لغيره من الكتّاب والمبدعين، الذين يراهم مرجعيات في مجالات اهتمامه. وهكذا لا يتردد في الحديث عن اهتمامات سنوات المراهقة. وهو يفصح في إحدى دراساته، عن أن مثله الأعلى، آنذاك، كانت مجموعة ممثلين سينمائيين.

وأما عن توجهه نحو الشعر وكتابته، فإن هاس يعيد ذلك إلى تأثير زمرة من أوائل الشعراء الذين قرأ بعض أعمالهم. ويحكي عن ذلك: "قرأت الكثير من الشعر، بل وظلّت بعض الأبيات تتردد في رأسي مدة طويلة.. هكذا بدأت بكتابة الشعر". وكذلك يشدد على أن اهتمامات البشر تجد دائماً مرجعياتها، في حدث ما عرفه مسار حياتهم. وأحياناً لا يأخذون له أهمية كبرى أثناء حدوثه، مشيراً هنا، إلى أنه عندما بلغ السبعين من عمره، كان أحد أكثر الشعراء الأميركيين، ألقاباً وميداليات وجوائز.

ونتبين في الكتاب، أن الشعر يحظى بالحصّة الكبرى بين دراساته الثلاثين. وهكذا نعثر عناوين مثل: ارنستو كاردينال: شاعر نيكاراغوا، ملاحظات حول الشعر والروحانيات، حول تعليم الشعر، إدوارد تايلور: عن الشعر الأميركي، عن الأدب والحرب.

ويوصف ارنستو كاردينال، بـ "المتصوّف والثوري"، ويعدّه أحد أكبر الشعراء في عصره، فضلاً عن أنه كان راهباً ووزيراً في حكومة بلاده، مبيناً أنه من دعاة الشعر الموضوع. وهذا بمعنى: "الشعر السردي والحدثي الذي تشكل عناصر الحياة الحقيقية، والأشياء الملموسة والأرقام والأفعال، مادته الأساسية". فمثل هذا الشعر، اعتبره كاردينال، قادراً على التعبير عن الواقع الأميركي - اللاتيني.

وأن يصل إلى الشعب، وأن يكون ثورياً. كما يحظى جاك لوندون، باهتمام المؤلف، إذ ينظر إليه على أنه كاتب المغامرة والطبيعة المتوحشة. وخاصة في عمله الشهير: "نداء الغابة". كما أنه كان قد كتب أكثر من عمل، استلهمها من حياة البؤس التي عاشها، ومن حياة التشرّد. ويوضح، أيضاً، أنه من الميزات الأساسية لدى لوندون، حبّه للحرية، الذي لم يخفت أبداً بعد أن عرف النجاح والذهب.

ويخصص المؤلف إحدى دراسات الكتاب، لبحث العلاقة بين الشعر والرعب. وأحد أكثر الأمثلة تعبيراً عن ذلك، يجده المؤلف لدى شاتو بريان، ودراسة أخرى عن تعليم الشعر، والذي لا يحظى إلا بمكانة ثانوية جداً في المدارس، ذلك على خلفية فكرة عامة سائدة، مفادها أن "الشعر لا فائدة له".

وفي العموم، يتضمن الكتاب، ثلاثين دراسة معمقة، لشاعر وكاتب مبدع، يعالج فيها موضوعات عديدة، في مختلف الميادين، ملقياً أضواء كاشفة، على حقبة كاملة وعلى شخصيات بارزة، في عالم الكتابة والإبداع.

 

 

الكتاب: ما يستطيع الضوء فعله

تأليف: روبرت هاس

الناشر: ايكو- نيويورك 2012

الصفحات: 496 صفحة

القطع: المتوسط

 

What light can do

Robert Hass

Ecco ذ New York - 2012

496 .p

 

 

المؤلف في سطور

 

روبير هاس، شاعر وناقد أميركي. حاز على جائزة الشعر وعلى جائزة بوليتزر الشهيرة. نال أيضاً، جوائز شعرية عديدة، أميركية وعالمية. وسبق له أن قدّم عملاً شهيراً، عن النثر الشعري في القرن العشرين. وهو يمارس حالياً، مهنة التدريس في جامعة "بيركلي".

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات