الحب والرعب وأسرة أميركية في برلين زمن هتلر في حديقة الحيوان

في عام 1933 عيّنت الولايات المتحدة الأميركية، الأستاذ في جامعة شيكاغو: وليام دود، سفيراً لها في ألمانيا التي كانت تعيش بدايات الحقبة النازية. والكاتب والمؤرخ الأميركي اريك لارسون يقدّم توصيفاً لبرلين أثناء الفترة النازية خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، وذلك بالتحديد، انطلاقاً من تفاصيل المسار الأخلاقي والسياسي لذلك السفير، "الدبلوماسي المبتدئ"، كما يصف. وأيضاً من خلال مسيرة حياة ابنته "مارتا" الشابة التي رافقته في "مغامرته" الألمانية.

ويشير لارسون في البداية، إلى أن اهتماماته التاريخية، حررته من القيود التي فرضها العمل الصحافي. والحقيقة الأولى التي يؤكد عليها المؤلف، تكمن في القول إن التاريخ الذي يكتبه بعيد كل البعد، عن أي خيال، رغم كل ما يقال ويكرر من أن دراساته تُقرأ كروايات، ويضيف، إنه يعمل بذهنية الباحث الذي يمضي وقتاً طويلاً في البحث والتنقيب.

ومن خلال اكتشاف السفير الأميركي وليام دود، لألمانيا النازية التي أقام فيها منذ تعيينه عام 1933، وحتى مغادرته لها عام 1937، يؤرخ المؤلف لتلك الفترة من حكم "الرايخ الثالث". وعن "بطلي" هذا التأريخ، أي السفير الأميركي في برلين 1933-1937، وابنته ماريا، يقول المؤلف، إنهما كانا يشكلان "ثنائياً غامضاً"، رغم أنهما نشرا، واحداً بعد الآخر،

ومن التوصيفات التي يكررها المؤلف عن مارتا، أنها كانت ترى في "الثورة القومية - الاشتراكية"، أي تلك التي كان يعبر عنها الحزب النازي، عملاً "ملحمياً"، وأنه كان بمثابة مقدمة لولادة ألمانيا من جديد، لتستكمل مسيرة ازدهارها. وتشير الأحداث الكثيرة في حياة تلك الفتاة الأميركية، إلى أنها كانت فخورة بـ"رفقة كبار شخصيات النظام النازي".

لكن الإعجاب الأولي حيال النظام النازي الذي ظهرت ملامحه في سلوك السفير الأميركي، خبت جذوته تدريجياً، بسبب تقاليد "عبادة الفرد" التي أحاطت بشخصية أدولف هتلر، وتكاثر عدد عناصر أجهزة أمنه في الشوارع وعمليات التعذيب والاضطهاد التي استهدفت شرائح المجتمع الألماني، من غير الألمان الأصليين "الآريين".

ويتوقف المؤلف عند ليلة 29 إلى 30 يونيو من عام 1934، التي شهدت مجزرة حقيقية. فما جرى في تلك الليلة أسقط جميع أوهام السفير الأميركي دود، حول النظام النازي. ولم يتردد غداة اليوم التالي، في إخطار وزارة الخارجية الأميركية، التي أصمّت آذانها حيال ما قاله، بل واعتبرت أن سلوك ذلك المبعوث الرسمي، القادم إلى المسلك الدبلوماسي من خارج عناصر الإدارة، مثير للغضب.

وبالتالي لم تأبه لما قاله سفيرها عن الخطر المتعاظم الذي كان يمثله النظام النازي. وينقل المؤلف عن دود: "كنت أعرف أن معاداة السامية، كانت منتشرة في الولايات المتحدة آنذاك، لكنني جهلت مدى اتساعها وشدّتها داخل وزارة الخارجية".

ومن الأحداث التي يعود لها المؤلف، تلك العلاقة العاطفية التي ربطت بين ابنة السفير الأميركي مارتا ورودلف دييلز الذي كان آنذاك، رئيساً لجهاز الأمن السري النازي "الغستابو". ثم أقامت بعده علاقة مع السكرتير الأول في السفارة السوفييتية في برلين، وأصبحت جاسوسة سوفييتية.

ويشير المؤلف إلى أن المعنية أخفت كل مغامراتها عندما أصدرت مذكراتها عام 1939. لكن قبل وفاتها، عهدت لمكتبة الكونغرس في واشنطن بـ"أوراقها الشخصية". وهذه الأوراق تضمنت 70 رسالة حب "رائعة"، كما يصفها المؤلف.

وهي بالتحديد التي كان قد اطلع عليها. وما يعود المؤلف للتأكيد عليه مرات عديدة في كتابه، أن جميع المعلومات التي يقدمها، دقيقة تماماً، وأنه أراد من خلال استقراء "تجربة تاريخية شخصية"، توصيف وتوضيح ملامح فترة كاملة ومفصلية، في تاريخ أوروبا والعالم. وعن شخصية السفير وليام دود، يكتب ما يمكن أن يلخص أجواء الحقبة النازية.

وهو ما مفاده: "ما كان يثقل عليه أكثر من أي شيء آخر كان ذلك القدر من لا عقلانية العالم، الذي وجد نفسه غارقاً فيه". ويضيف: "كان بدرجة ما، سجين تكوينه كمؤرخ، وما دفعه للاعتقاد أن العالم هو نتاج تيارات تاريخية وقرارات عقلانية عامة. وكان ينتظر ممن يحيطون فيه سلوكاً لطيفاً ومنسجماً.

لكن حكومة هتلر لم تكن لطيفة ولا تتسم بالانسجام، وكان الشعب ينتقل من سلوك غير مفهوم إلى آخر من الطبيعة نفسها. واللغة التي كان يستخدمها هتلر ومسؤولي حزبه، كانت زاخرة بالمفارقات، إلى درجة أن كلمة متزمت غدت ذات دلالة إيجابية".

 

 

 

 

 

In the garden of beasts

Erik Larson

Broadway- New York - 2012

480 .P

طباعة Email
تعليقات

تعليقات