أنا إسبانيا

استمرّت الحرب الأهلية الاسبانية، خلال سنوات 1936- 1939. وتواجهت فيها قوات الجنرال فرانكو مع الجمهوريين الاسبان. وكانت أحد أشرس الحروب الأهلية التي عرفتها القارة الأوروبية القديمة، في القرن الماضي، الذي كان قد شهد حربين كونيتين، انطلقت شرارتهما من أوروبا.

إن كتبا كثيرة جعلت من الحرب الأهلية الاسبانية موضوعا لها. ومنها، أخيرا، كتاب المؤرخ والأستاذ الجامعي البريطاني دافيد هايدوك، المتخصص في التاريخ الأوروبي الحديث، بعنوان: "أنا اسبانيا"، ويدرس فيه مؤلفه "الحرب الأهلية الاسبانية والأجانب الذين شاركوا فيها ضد الفاشية". كما يقول عنوانه الفرعي.

يوضح مؤلف الكتاب، ان السمة الأساسية لتلك الحرب الأهلية الاسبانية، إيقاظ الضمير الأوروبي الذي كان نائما- إلى هذه الدرجة أو تلك، مشيرا إلى أنه كان المثقفون الأوروبيون في طليعة الذين قالوا، وترجموا أقوالهم إلى أفعال، في شأن ضرورة تحويل الوعي إلى تجربة في الواقع. وليس من المبالغة القول ان تلك الحرب غدت، حتى قبل نهايتها، موضوعا جرى التطرّق إليه، في مختلف مشارب الأدب الأوروبي.

ويعود المؤلف، في هذا الإطار، إلى شهر أبريل من عام 1937، عندما قامت طائرات الجنرال فرانكو بتدمير مدينة غرنيغا الصغيرة، في منطقة الباسك. إذ كانت تلك، المرة الأولى في التاريخ العسكري، التي تدمر فيها، بلدة يقطنها مدنيون آمنون، بوساطة القصف الجوي الصادر عن الجيش الوطني. وأثارت تلك الحادثة، قدرا كبيرا من الانفعال والاستنكار في عموم القارّة الأوروبية، كما لدى العالم أجمع.

ويلفت هايدوك إلى أن الرسام الشهير بابلو بيكاسو، الاسباني الأصل، الذي عاش غالبية سنوات حياته في فرنسا، أنجز بعد أسابيع من تدمير المدينة الصغيرة لوحته الشهيرة "الغرنيغا"، التي اعتبرها النقاد الفنيون رائعة بيكاسو الأولى، واجتمعوا على القول انها أحد قمم الرسم في القرن العشرين.

وليس بيكاسو، المبدع الوحيد، آنذاك، الذي رد بعمل أدبي أو فني، على الحرب الأهلية الاسبانية، فكثير من الأدباء والكتاب، الاسبان والأجانب، صدرت عنهم ردود الأفعال الأشد قوة، خاصة بعد اغتيال الشاعر الاسباني الشهير فريدريكو غارسيا لوركا.

ومن ضمنها، رد فعل المبدعة سيمون ويل، إحدى رموز الفكر الفرنسي في القرن العشرين، التي كانت تعاني من قصور في الرؤية، إذ لم تتردد في الالتحاق بـ"الجبهة" إلى جانب لويس اراغون، حيث شكلت مجموعة "المتطوعين" الفرنسيين والإيطاليين والبلغاريين والاسبان.

يقدم مؤلف الكتاب، توصيفه الموسع والدقيق، لواقع "الاستثارة الممتزجة بالوعي"، التي دفعت أعلام الفن والفكر والأدب، إلى الذهاب لاسبانيا، أثناء الحرب الأهلية، بحثا عن فرصة فعل شيء ما ضد التهديد الفاشي. وفي الوقت نفسه، لدفع خطرها من أوروبا عامة. وينقل عن الكاتب الأميركي ارنست همنغواي وصفه للحرب الأهلية الاسبانية، أنها بمثابة "تمرين عام للحرب الأوروبية الحتمية".

ويتضح، في فصول الكتاب، أن هايدوك، لا يريد له، أن يكون تأريخا شاملا جامعا للحرب الأهلية الاسبانية التي أولاها مؤرخون كُثر اهتمامهم، وشرحوا رعبها بما أثارته من دمار وخراب. بل يحرص، على تقديم تلك الحرب من منظور كونها تعبيرا عن أزمة أوروبية جذبت العديد من المبدعين والشباب: "ذوي النظرة المثالية للعالم"، كي يترجموا أفكارهم إلى واقع في سلوكهم.

ويبين المؤلف، أنه التحق بعمليات مواجهة فرانكو وأنصاره، ما يقارب ال 40000 رجل وامرأة، من جميع أنحاء العالم، ما شكّل "الكتائب الدولية" التي كان من عناصرها جورج اورويل وارنست همنغواي. وغيرهما.

ونتبين فعليا، أن الكتاب، بالعموم، يعيد إلى الذاكرة رهانات حركة فرانكو ذات الطبيعة الفاشية، ويشرح تجربة أولئك المشاهير من عالم الفن والأدب والفكر، وأولئك الأقل شهرة، في هذا السياق، مبينا ان جميعهم كانوا بمستوى متميز من القناعة والإصرار على المشاركة في مواجهة الفاشية.

 

أسماء كبيرة

الأسماء التي يذكرها مؤلف الكتاب، متحدثا عن دورها في الدفاع عن الجمهورية ضد فاشية الجنرال فرانكو كثيرة جدا، ومن بينها :جورج اورويل وارنست همنغواي وجون دوس باسوس واندريه مارلو، والعديد غيرهم. فهؤلاء جميعا، أسهموا في محاولة خلق تيار لكبح "التهديد الذي كانت تمثله الفاشية". ويتحدث المؤلف هنا، عن تجربتهم تلك، من خلال رسائلهم الشخصية واليوميات التي كتبوها، وأيضا آرائهم المنشورة في وسائل الإعلام المختلفة، رابطا بين ردود أفعال أولئك الكتاب والأدباء والفنانين، ومناخ التهديد الذي شكّله صعود النازية في ألمانيا، في أواسط عقد الثلاثينيات من القرن الماضي.

 

 

الكتاب: أنا اسبانيا.. الحرب الأهلية ودور الأجانب الذين شاركوا فيها ضد الفاشية

تأليف: دافيد هايدوك

الناشر: اولد ستريت لندن 2012

الصفحات: 256 صفحة

القطع : المتوسط

 

 

I am spain

David Haycock

Old Street ذ London - 2012

256 .P

طباعة Email
تعليقات

تعليقات