على دروب القرى المنسيّة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

يوضح كتاب " على دروب القرى المنسيّة"، لمؤلفه موسى ديب الخوري، أن عدداً لا يحصى من الأبنية الأثرية الموزعة في التضاريس الجغرافية في جبال "الكتلة الكلسية "، في شمالي غرب سورية، يشكل ما يعرف بالقرى القديمة أو المنسية. وتمتد الكتلة الكلسية على منطقة واسعة، بطول يصل إلى نحو مئة كيلومتر، وعرض يصل إلى 20 كيلومتراً، بين واديي نهر عفرين ونهر العاصي غرباً.

وسهل حلب وقنسرين شرقاً. ويقدر عدد من الباحثين الأثريين، أن عدد القرى المنسيّة التي أحصيت، تجاوز ال 800 قرية قديمة، ويتألف البناء فيها من مبنى من طابقين، وفي كل طابق حجرة واحدة وباحة وسور لحماية البناء. وهناك بيوت تشتمل على مدخل مهيب، .

ويبين المؤلف أنه بدأ إعمار الكتلة الكلسية، في بداية القرن الأول مع بناء سلسلة من المعابد الوثنية، وتنامت حولها مساحات زراعية وسط المناطق الصخرية التي كانت تؤمن معيشة القاطنين فيها. وكانت سواكف البيوت تزين بزخارف. والفلاحون يزرعون القمح والشعير والخضار والأشجار المثمرة، ويربون الماشية الكبيرة والصغيرة .

ثم عاد التوّسع والازدهار إلى المنطقة في القرن الرابع، نتيجة توسع سكاني حقيقي، ما أدى إلى ظهور القرى في تلال الكتلة الكلسية كافة، ويدل العدد الكبير من معاصر الزيت التي وجدت في هذه القرى على الانتشار الواسع لزراعة شجر الزيتون والصناعات المرتبطة بها .

ويشير الخوري إلى أنه كان الزيت أحد المنتجات الأساسية في الحياة اليومية الاقتصادية لسكان الكتلة الكلسية، فهو إضافة إلى كونه من مصادر الغذاء اليومي، عد أحد المنتجات المصدرّة إلى المدن البعيدة، وكان أساس صناعة الصابون. وكذلك استخدم في التزيين، وفي الحمامات لدهن الجسم وتعطيره، وكذا في الإنارة .

ويبين المؤلف انه أصبحت المنطقة معبراً لعدّة طرق مواصلات، وأدى تدفق الأموال على المنطقة إلى تغيّر عميق في شكلها، فأصبحت البيوت أكبر، وبدأ الاهتمام بزخارفها وهندستها، بل ظهر نبلاء أغنياء كانت لديهم القدرات اللازمة لتقديم بناء عام للقرية . ومعظم سكان هذه القرى كانوا يتكلمون اللغة الآرامية، وكانوا يعرفون اللغة اليونانية.

وتشهد على ذلك الالوف من الكتابات التي أحصيت في المنطقة . كما كان للرهبان دور هام كوسطاء، وتشفعوا للأهالي القرويين لدى هؤلاء الحكام أو الملاك أو أصحاب النفوذ، ومن أشهرهم القديس سمعان الذي ابتكر، شكلاً من الحياة النسكية، كانت مثار إعجاب وشهرة، وجذبت إليه خلال حياته وبعد مماته، جماهير كثيرة العدد. وكان لا بد أن تخصص لها في المنطقة، بنية تحتية كافية لاستقبالها، من مساكن مبيت وإطعام وأسواق ..

وهكذا اكتسبت قرى الكتلة الكلسية، شهرة عالمية بمفهوم ذلك الزمان، الأمر الذي وضعها على لائحة المناطق الاقتصادية المهمة في شرقي المتوسط . ولكنها شهدت، بدءاً من منتصف القرن السادس، تراجعاً متزايداً في عدد السكان والنشاطات المختلفة ، والسبب يعود إلى الضغط الفارسي على الشرق الروماني ( احتلال حلب وأنطاكيا في الفترة بين عامي 540 561 ) .

وكانت هذه الحروب قد ترافقت بحالات دمار وفرض جزيات مرتفعة، وأسر وسبي أعداد كبيرة من الناس. إضافة إلى ذلك، ظهر مرض الطاعون في المنطقة، ناهيك عن عدد من الهزات الرضية التي ضربت شمال سورية في تلك الفترة.

ونتيجة لكل ذلك فقد تراجعت المحاصيل، وأصبحت أقل نوعية، وصارت عرضة لأي تغير في الطقس، ما أدى في النهاية، إلى تراجع هذه القرى وهجرها . وبدأت الهجرة التدريجية لهذه القرى منذ القرن السادس، ويؤرخ لذلك بناء الصرح الأخير فيها، وهو بناء في " بابسقا " .

ولم يعثر في مواقع جبال الكتلة الكلسية، على أي أثر لعمارة مدنية أو دينية بنيت بعد هذه التاريخ. ومنذ ذلك طويت صفحة العصر الذهبي لهذه الكتلة وقراها، ولم يبق سوى آثار بائدة ومهجورة .

 

 

 

 

 

 

الكتاب: على دروب القرى المنسيّة

تأليف: موسى ديب الخوري

الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2012

الصفحات: 98 صفحة

القطع: المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات