مقاهي باريس.. مهد الحركات الأدبية في العالم

مقاهي باريس.. مهد الحركات الأدبية في العالم

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

مضى الزمن الذي كان فيه اندريه بريتون يصدر بياناته ويلتف من حوله مريدوه في المقاهي الباريسية، وجان بول سارتر مع رفيقته سيمون دو بوفوار يؤلفان كتبهما عن الوجودية والجنس الآخر على طاولة صغيرة في مقهى فلور أو ديماغو، بعض هذه المقاهي اختفى والبعض الآخر صمد في وجه الزمن. وشهد العام 2009 إغلاق حوالي ألفي مقهى في باريس، في حين أن العدد الإجمالي للمقاهي في فرنسا تراجع من 200 ألف في عام 1960، إلى 30 ألف مقهى حالياً.

ولعل من أبرز سمات العاصمة الفرنسية ذلك الانتشار الكثيف للمقاهي على مختلف جاداتها وشوارعها، ما يضفي عليها حيوية تميزها عن سواها من المدن، وتشكل المقاهي جزءاً لا يتجزأ من المشهد الباريسي ومن حياة الباريسيين وعاداتهم اليومية، ومن تراثهم وتاريخهم، كونها واكبت تطورهم السياسي والفكري والاجتماعي منذ القرن الثامن عشر.ولكل من المقاهي الواقعة في هذا الحي أو ذاك من باريس سيرته الخاصة المرتبطة مباشرة بنوعية وشخصيات رواده، فمقهى (لوبروكوب)، الذي يعد أول المقاهي التي افتتحت في العاصمة في القرن الثامن عشر، شهد ولادة التيارات الإيديولوجية الجديدة، واعتمد بمثابة مقر من قبل فلاسفة (عصر الأنوار)، من أمثال فولتير وجان جاك روسو ومونتسكيو. والمقهى نفسه شهد ولادة الثورة الفرنسية، كونه استخدم مقراً لاجتماعات آباء هذه الثورة، وفي طليعتهم روبسبير ودانتون.

تهديد واعتبر القرن التاسع عشر العصر الذهبي للمقاهي في فرنسا، وشكلت مصدر وحي لكبار الرسامين والكتاب الذين كانوا يترددون عليها، وخلدت في لوحات بول سيزان وفي نصوص لبالزاك وجيرارد ونيرفال. وشكلت المقاهي الواقعة في حي مونبرناس مهداً لولادة الحركة السريالية التي يعد الكاتب اندريه بروتون من رموزها الأساسية. وبعيد الحرب العالمية الثانية شهدت المقاهي الواقعة في حي سان جيرمان ولادة الحركة الوجودية مع جان بول سارتر. واتسمت المقاهي الباريسية وفقاً لموقعها بحيثية خاصة وجو يجعلها مختلفة عن سواها ويعبر عن ماضيها، وشكلت مساحات يتمازج فيها الأثرياء والمثقفون والسياسيون والأشخاص العاديون والفقراء، وعلى رغم الجهود التي يبذلها أصحاب المقاهي للحفاظ على وظيفتها الثقافية والاجتماعية، فإنها تبدو مهددة بالزوال.

المقاهي الأدبية تطرد الأدباء

يقول الكاتب المصري الراحل البير قصيري، قال لي بحزن: «أترى كيف تحول مقهى فلور إلى مكان ضاج بالسياح السذج الذين يأتون لزيارة معارض الألبسة الجاهزة في بورت دي فيرساي» هذه المقاهي التي كانت تعج ذات مرة بالنقاشات والمناظرات وصعود التيارات الفكرية، مثل الوجودية والسريالية والدادائية وغيرها. أما الكاتب الاسباني فيرناندو آرابال، فيقول :

«لم نعد نرتاد المقاهي الأدبية ونتداول ما كتبناه مع زملائنا لأن الحياة المعاصرة لم تعد تسمح لنا بذلك، فإننا نرسل مخطوطات كتبنا إلى الناشر، وهو يبعث إلينا بحقوقنا عن طريق التحويل المصرفي أو البريدي وانتهى الأمر».

هنري جيمس يعلق علي المقاهي الباريسية قائلا:

(هنا يتمكن المرء من أن يجلس بسلام لساعات دون أن يزعجه النادل، وهنا يتمكن أن يقرأ ويكتب في الصباح، ويقوم بأعماله في الظهيرة ويضحك ويناقش الأصدقاء في الليل). ولعل ما يفسر تواجد المقاهي في باريس، وعلى الخصوص المقاهي الأدبية، يتمثل في الجادات العريضة التي بنيت على أساسها باريس، وهي فريدة في أوروبا. ويضيف هنري جيمس، المولع بالمقاهي الباريسية:

مصطلحات وروائح

والمقاهي ليست أماكن فقط، بل عبارة عن مزيج من روائح متنوعة. توماس وولف كان يفكر بمزيج الروائح التي تنبعث من المقاهي الباريسية وهي مركزة ومضغوطة، رائحة المشروبات ورائحة التبغ الفرنسي القديم، والرائحة المنبعثة من شرائح اللحم المقدد والقهوة السوداء الباريسية ورائحة المرأة والنبيذ.

أجل.. لا يمكن أن نتصور المقاهي الباريسية بدون هذه الروائح، وكذلك بدون سماع المصطلحات التي يتداولها الرواد مع النادلين:

(كافيه نوار، كافيه اكسبريس، كافيه سيريه، كافيه الونجيه، كافيه كريم، شكولاه، فان روج، فان بلان، كير، كير رويال، تيه أو سترون، بيرييه، وغيرها... ).

ولا تقدم المقاهي الأخيلة فقط، بل تقدم أيضا ضرورات الحياة، من قهوة وسجائر وبيوت راحة وصحف وتلفونات، وهذا بطبيعة الحال قبل ولادة التلفونات المحمولة، وهكذا فالمقاهي الأدبية لا تحمل سوى الأسماء التي يأتي إليها الزوار ليحلموا بالزمن البائد، وليس بوسع أحد أن يدخل مقهى «لافلور».

و«دي ماغو» و«كلوسري ديليلا» و«كافي دي دوم»، وغيرها، دون أن يشعر بالحنين إلى الزمن الماضي، لأن المقاهي لا تبدل جلدها باستمرار لكي تتلاءم مع العصر الذي تعيش فيه، وبالأحرى أن روحها هي التي تتغير لأن روادها كانوا يمنحون المكان تلك الروح اللصيقة بالمكان. إن باريس مكتظة بالمقاهي، ولكن المقاهي الأدبية معدودة، ولعل هذه الخريطة تغيرت بانتقال مراكز باريس.

والأماكن التي ارتادها الأدباء والفنانون تتوزع بين المقاهي والمطاعم والحانات والنوادي الليلية. وعادة ما ترتبط هذه الأخيرة بالملاهي والرقص، وأشهرها ظهرت في القرن الرابع عشر في باريس، وأشهرها كانت تتواجد في منطقة الرسامين في هضبة مونمارتر الشهيرة، ففي مقهى أثينا كان يتواجد كل من الرسامين ديغا ورينوار وبيكاسو، الذين كانوا يناقشون الفن في سنوات السبعينات والثمانينات من القرن التاسع عشر.

إخلاص تلاشى

لا يزال بعض هذه المقاهي الأدبية موجودا، وبعضها الآخر اختفى نهائيا، فللمقاهي حياتها أيضا، تولد وتزدهر ثم تموت. إن الأحوال تغيرت ولم يعد للمقاهي رواد مخلصون كما كان في العهد الماضي، فعلى سبيل المثال، كان بول فيرلين من ضيوف المقهى الأكثر إخلاصا، فقد ولى الأدباء ولم يعد هذا الإخلاص باعثا للقاء بينهم، ومعهم ذهبت روح المقاهي التي ارتادوها وتركوا بصماتهم عليها، ولم يبق من هذه المقاهي سوى الديكورات القديمة الحزينة: مراياها الباذخة ومذهباتها وأعمدتها وأقواسها التي تذكر بالزمن الغابر.

اختار غيوم ابولينير ورفاقه مقهى «فلور» لأنه كان اقل إزعاجا من غيره من الأماكن، كما حوله كل من غيوم أبولونيير وروفيير وبيلي وسالمون، إلى صالة للتحرير. ومنذ ذلك الحين، أصبح لأبولينير مكتب في مقهى فلور، وكان يستقبل فيه ضيوفه في ساعات محددة، ويقول فرانسيس كارلو في هذا المقهى الأدبي: «إن أبولينير كان السيد بلا منازع، لأن الشاعر قد جعل من المقهى مملكته». ويقول الشاعر فيليب سولرز: (انه يجلس مثل الحبر الأعظم...).

وبفضله استطاع التعرف على أندريه بريتون في عام 1917. كما يقول جيرار جورج لومير: (عندما وصل تريستان تزارا إلى باريس، اصطحبه أصدقاؤه الدادائيون إلى هذا المقهى الذي عاش ابولينير فيه ومات، واندريه مالرو كان يأتي إليه ليأخذ شراب البرنو المثلج، واستعاد هذا المقهى حيويته في عام 1930، عندما جاء إليه الفيلسوف باسكال).

وقد ألفت سيمون دي بوفوار في هذا المقهى كتابها الشهير «الجنس الآخر»، وجان بول سارتر الذي كان يقيم في فندق «لي لويزيان»، الذي أقام فيه أيضاً الكاتب المصري الأصل البير قصيري، قد جعل من هذا المقهى مكتبا له، بعد أن هجر مقاهي «المونبرناس» التي بدأ النازيون يتجمعون فيها. وكان هذا مقهى الشاعر جاك بريفير وزمرته حيث حولوه إلى بيت واحتلوا ثلاثة أرباع الصالة.

ويقول مؤلف كتاب (المقاهي الأدبية من القاهرة إلى باريس) أن الأنكلوساكسونيين كانوا مخلصين لهذا المقهى، حيث اختار كل من أرنست همنغواي وترومان كابوت ولورنس داريل مقهى دوماغو منزلا لهم، وكذلك بيكاسو وجورج بتاي وجياكوميتي وارثور أداموف ودالي.

مركز الفكر بباريس

ولم تنطلق الروح في مقهى دوماغو إلا بعد أن وصلت إليه المجموعة التي تقوم بإصدار مجلة نثر وشعر، بعد أن غادرت مقاهي «مونبرناس»، ولم يبدأ الزمن العظيم لهذا المقهى إلا بعد الحرب، فكان السرياليون أول من تبناه، ولعل تأسيس دور النشر في هذا الحي، أطلق الحيوية في هذا المقهى، مثل «ميركور دي فرانس» و«غراسيه»، وغيرهما من دور النشر العديدة التي لا تزال قائمة حتى الوقت الحاضر.. وبعد أن اصدر أندريه بريتون مجلته الشهيرة ليتراتور، أخذ السرياليون يرتادون هذا المقهى، كما كتب جان فلانر يقول:

(كانت للسرياليين مائدتهم.. مقابل الباب، ومن هذه المائدة كان باستطاعتهم أن يشتموا كما يشاؤون، كل قادم جديد يختلف معهم بالرأي، أو أن يعلنوا بصوت عال عن نيتهم جلد كل صحافي كتب في إحدى الصحف المضادة للسريالية، لأنه قام بذكر أسمائهم أو لأنه لم يذكرها). وكان جيمس جويس من الوجوه المألوفة في المقهى، وكان يلتقي بالشعراء الألمان الذين كانوا في المنفى، من أمثال بيرتولد بريخت وماكس برود، صديق فرانس كافكا الحميم، وآنا سيغرز وستيفان زفايغ.

وكان مقهى ديماغو خلال الثلاثينيات، يمثل، إلى حد ما، المركز العصبي للحياة الفكرية في باريس، حيث يروي فيليبون): في الساعة العاشرة صباحا كان جان بول سارتر يأتي مع سيمون دو بوفوار إلى مقهى ديماغو، فيجلسان علي مائدتين صغيرتين متجاورتين ويكتبان خلال ساعتين بلا توقف، وهما يحرقان السجائر الواحدة تلو الأخرى، وكان بإمكانهما العمل هنا بسلام لأن المتطفلين آنذاك، كانوا يبحثون عنهما في مقهي لو فلور).

وكتب كلود مورياك: (انه مشهد جميل حقا أن ترى المعلم القديم، أندريه بريتون، محاطا بخمسة عشر من الأتباع المسنين، وهو يدخن بوقار غليونه على رصيف ديماغو، ثم يمر المسرحي أنطوان آرتو الذي أبعد قديما من المجموعة السريالية، فيلقي التحية بصوت خافت، فينحني له بريتون بعمق أكبر، ويمكن سرد مئات القصص والحكايات عن هذه المقاهي الأدبية، كما أن كثيرا من اللقاءات تمت هنا، وعلى سبيل المثال، لقاء بيكاسو بدورا مار.

«ليب».. حكاية أخرى

شهد مقهى ليب التوقيع علي بيان الخمسة، المناهض لرواية الأرض لإميل زولا في عام 1877، وفي حقيقة الأمر، فإن حياة المقاهي الباريسية ما هي إلا امتداد للبيت أو الشقة، وفي هذا الصدد، يقول جان بول سارتر، عندما كنت أعمل مدرسا لم تكن لدي النقود الكافية لذلك كنت أعيش في فندق، وشأني شأن جميع الفرنسيين كنت أقضي جل أوقات النهار في المقاهي.

هكذا تحولت المقاهي إلى نوع من المكاتب أو الدوائر بالنسبة للكتاب والأدباء الذين كانوا يكتبون ويتناولون طعامهم ويستقبلون ضيوفهم فيها، في آن واحد. وبمقابل ثمن فنجان قهوة واحد كان المقهى يوفر لهم يوما دافئا في جو باريس الصقيعي. سيمون دو بوفوار كانت تقول أثناء الحرب العالمية الثانية:

(كنت اشعر بأنني أصبحت جزءا من العائلة، وهذا ما كان يحمي المرء من الانهيار العصبي). ولا يوجد كاتب فرنسي أو أجنبي عاش في باريس، لم يكتب عملا أدبيا من أعماله في المقاهي، فسيمون دو بوفوار كانت تكتب في مقهى «سيليكت» في «المونبرناس»، وارنست همنغواي كتب قصصه القصيرة في مقهى غلوسري دي ليلا.

وهكذا كان كل كاتب يؤسس عقدا من الإخلاص للمقهى الذي يرتاده ويخلق نوعا من التماهي معه، بل ويمنحه هويته، إن صح التعبير، مثل مقاهي سيليكت وغلوسري دي ليلا، وديماغو، كانوا نوعا من الملوك، كما يؤكد صاحب الكتاب الآنف الذكر.

شاكر نوري

طباعة Email