i روايات خالدة

بيت الجميلات النائمات

صورة

«للعبة تراكب الأسود على الأبيض، والأبيض على الأسود، هدف يؤدي إلى الفن الإبداعي. وفيه، تدفق للروح، وانسجام في النغم، لكن كل شيء يضيع إذا عزفت نغمة في غير محلها، أو إذا صدح واحد من ثنائي غناء بصوته خارج السرب بدافع رغبة نرجسية.

يمكن للعبة عظيمة أن تدمر بسبب عدم مراعاة مشاعر المنافس»، هذا قول الروائي الياباني ياسوناري كواباتا، الذي فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1968، وهو أول أديب ياباني يفوز بتلك الجائزة.يعتبر كواباتا الذي ولد بأوساكا في 14 يونيو عام 1899، من مؤسسي الأدب الحديث في اليابان الذي خرج من أدب البلاط والتوجهات الفكرية، لينادي بفن جديد تبلور عام 1924 من خلال تأسيس صحيفة أدبية حملت عنوان «عصر فنون الأدب». والتي ضمت إلى جانبه الأديبين ريتشي يوكوميتسو وكاتاوكا تيبي، ومجموعة من الكتاب الشباب. كان التوجه الأدبي لهم يتمثل في (مشاعر جديدة) أو (منظور جديد) في إطار الفن من أجل الفن، ومن خلاله اختبروا التكعيبية والمستقبلية والدادائية.

عاش كواباتا حياة اليتم منذ كان عمره عامين، وفي السادسة عشرة توفي آخر أقاربه ممن تولوا تربيته ورعايته، حتى إنهم أطلقوا عليه لقب «سيد الجنازات». وقد ارتبط بالكتابة والأدب منذ طفولته، ولفتت قصصه القصيرة أنظار النقاد، خاصة تلك التي نشرها بعد تخرجه، وعلى رأسها قصة (راقصة آيزو) عام 1926.

في تلك المرحلة كان يكتب كل عمل بأسلوب جديد، ففي روايته (عصابة آساكوسا القرمزية) عام 1929 استخدم أسلوب عهد أدب الإيدو، وفي عمله (فانتازيا كريستالية) استخدم أسلوب المونولوج الداخلي.

وعلى الرغم من مشاركته في الحياة الاجتماعية الأدبية وحضوره العديد من المناسبات والأنشطة، فإنه لم يستطع تجاوز الحاجز النفسي بينه وبين الآخرين، وربما يرجع ذلك لنشأته كيتيم.

من أشهر وأهم رواياته (بلد الثلج) التي كتبها عام 1934، والتي يحكي فيها عن علاقة حب دراماتيكية بين هاو للفن وفتاة «غيشا» من إحدى الضواحي.

وكتب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية المزيد من الروايات الناجحة مثل، (جمال وحزن) عام 1946 (طيور الكركي الألف) 1949، و(صوت الجبل) في العام نفسه.

أما الكتاب الذي اعتبره كواباتا أهم عمل له فهو (أستاذ الـ «غو») عام 1951، ويجمع فيه بين أدب الخيال والسيرة الذاتية، من خلال مباراة بين المعلم شوساي وشاب صغير في العمر، لتنتهي بهزيمة المعلم الذي توافيه المنية بعد مضي عام، ويرمز في تلك القصة إلى الحرب بين اليابان وأميركا.

في مراحل متقدمة من عمره عاش في عزلة وعانى من مرض الرعاش، وشكل انتحار صديقه يوكيو ميشيما عام 1970صدمة له، وكان يشاهده في كوابيسه لما يزيد على مئتي ليلة، ولم تكن ذكراه تفارقه. وفي 16 ابريل عام 1972 فارق الأديب الحياة، ويقال إنه مات انتحاراً بالغاز.

وروايته «بيت الجميلات النائمات» أسوة بمعظم أعماله، تأملية تظهر عكس ما تبطن، حيث يعتقد القارئ في البداية بأنه أمام عمل محوره الغريزة، لكنه سرعان ما يدرك البعد الإنساني المرتبط بالقيم الإنسانية الجوهرية.

والأحداث الأساسية في الرواية تتجلى في وعي بطلها يوشيو إيغوشو خلال تواصله مع فتيات البيت اللواتي لا يتحدثن أو يقمن بأي فعل، حيث يخلق لكل منهن شخصية اعتماداً على شكلها.

يواجه إيغوشو البالغ من العمر 67 عاما، الموت الذي يخشاه، وينجذب إليه وجهاً لوجه، بصورة غير مألوفة، في إطار عزلة الإنسان عن نسيج الحياة.

تمثلت تلك المواجهة من خلال زيارة إيغوشو لبيت الجميلات النائمات الذي سمع عنه من صديق له، حيث يقدم البيت للرجال المسنين رفقة من نوع مختلف، حيث يقضي الواحد منهم مع فتاة شابة بعد أن يتم تخديرها بالكامل ليلته دون أن أية علاقة جسدية. تروق له الفكرة، خاصة وأنه مثل غيره من المسنين يعاند في إثبات قدرات رجولته الهرمة.

يستعيد إيغوشو برفقة ست شابات في عمر المراهقة خلال زياراته الخمس، مشاهدا من حياته عبر تدفق ذكريات الماضي. فالفتاة الأولى ذات الشعر الطويل والوجه الخالي من المساحيق والقامة القصيرة، استحضرت رائحتها الأشبه بطفل رضيع عدداً من الذكريات، منها بناته الثلاث عندما كن صغيرات، وعلاقته بفتاة شابة حينما كان يافعا.

وأعادته الفتاة الثانية التي وصفها بالساحرة الصغيرة لحمرة الشفاه الفاقعة والأظافر المطلية باللون الزهري وأسنانها المنحرفة قليلا، برائحتها إلى عطر زهور الكاميليا التي ذكرته بخطبة ابنته الصغرى وزواجها ورحلتهما معا.

وذكره نوم الفتاة الثالثة الصغيرة التي لا تتجاوز السادسة عشرة من عمرها والذي يشبه الموت، بعلاقته الأخيرة قبل ثلاث سنوات بفتاة متزوجة في العشرينات كانت إطلالتها تشع بلون زهرة الأوركيد والبنفسج، في حين استنهضت الرابعة ذات الجسد المكتنز والبشرة البيضاء مشاعر الشفقة في داخله، وبجانبها حلم بفراشات بيضاء.

في الزيارة الخامسة تجتمع خيوط الرواية ويبرز الدافع الحقيقي لدى إيغوشو. في تلك الزيارة دخل الغرفة الحمراء المظلمة ووجد على السرير فتاتين.

وقد أثارت الفتاة داكنة البشرة برية الملامح، مشاعر عنيفة في داخله لحظة رؤيته لها، وعلى رأسها الرغبة في خنقها. وعندما يقرر استخدام رجولته معها يكتشف بأنها لا تتنفس. بحرفية كبيرة تُخرج مديرة البيت الجثة من الغرفة، وتطلب منه تكملة ليلته مع الثانية كأن شيئا لم يكن.

ومع موت الفتاة أدرك إيغوشو انفصاله عن عالم المشاعر، ومع حلمه في تلك الليلة في رحم الغرفة الحمراء، يتجلى مغزى القصة، حيث يستعيد البطل ذكرى ليلة موت أمه المصابة بداء السل، البشرة الشاحبة والشعر الداكن واليدين الباردتين والصدر الذابل، وبقع الدماء المرشوقة على أغطية السرير.

وهكذا يتضح في النهاية أن تلك المرأة التي أنجبته إلى هذا العالم، هي أهم امرأة في حياته وأحبها إليه، وقد فشلت النساء الأخريات في استبدالها.

الكتاب: بيت الجميلات النائمات

تأليف: ياسوناري كواباتا

الناشر: كودانشا العالمية 2004

صفحات: 160صفحة

The House of the Sleeping Beauties

Yasunari Kawabatta

Kodansha International 2004

P 160

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae

تعليقات

تعليقات