مقدار من الحياة

مقدار من الحياة

صورة

في عام 1948 وصل إلى باريس شاب هنغاري يحمل اسم «بال ساركوزي». كان عمره 20 عاما ولم يكن يمتلك ما يمكنه أن يشتري به طعامه. لكنه شق طريقه الصعب وأنجب خمسة أطفال أصبح أحدهم نيكولا، رئيسا للجمهورية الفرنسية في عام 2007. وفي هذا الكتاب «مقدار من الحياة» يحكي بال ساركوزي قصة حياته، وهو الآن قد تجاوز الثمانين من العمر.

إن بال ساركوزي لا يتوقف طويلا عند طفولته، لكنه يتحدث طويلا عن طفولة أبنائه. ويؤكد أنه شرح لهم «فضائل العمل وأعطاهم روح الاستقلال». ابنه الأول فرانسوا درس الطب ك«ما يفعل أبناء المهاجرين غالبا» ونيكولا اتجه صوب دراسة القانون كي يصبح محاميا «مثل أمه». وغيّوم اختار أن يدرس الهندسة، أما اوليفييه فقد أراد أن يكون مصرفيا حيث عمل مع مجموعة «كارتيل» في نيويورك. الابنة كارولين مهندسة معمارية مع الميل نحو الاهتمام بداخل المنازل. «لكن قبل كل شيء كان ذلك ثمرة اختيارهم وتطلّعهم الشخصي دون أن يكون لي دور كبير في ذلك».

ويرد بال ساركوزي في هذا الكتاب على الكثير من الأشياء التي قيلت عنه ولم تكن والدة الرئيس الحالي وزوجته السابقة بعيدة عنها في أحيان كثيرة. نقرأ: «لقد حاولت أن يتجنّب أبنائي التربية القاسية جدا التي كنت أنا قد تلقيتها، ودون أن أفلح كثيرا كما يبدو. وعلى عكس ما يقال، فإنني لم أتخل عنهم أبدا لا ماليا ولا واقعيا. لكن من الدقة القول ان أمهاتهم هن اللواتي تحملن مسؤولية تربيتهم».

ويتحدث ساركوزي الأب بكثير من المودة حيال بندكت الملاّح، والد زوجته دادو ؟ يقصد «اندريه» ـ أم أولاده الذين من بينهم الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، يقول: «ان الدكتور ملاّح ؟ كان طبيبا أخصائيا بالمجاري البولية وأحد كبار هواة الفن - قد عرف كيف ينتبه لأبنائنا وكيف يتقن فنّ أن يكون جدّا. وخاصة بالنسبة لنيكولا الذي أدخل إلى أعماقه حب فرنسا (...). لقد كان نيكولا من جهته، شديد التعلّق بجدّه بمقدار ما كان يقدّس والدته.

ولا يزال يقدّسها حتى الآن». وهو يحدد القول ان والد زوجته، الدكتور ملاّح، كان يهوديا يونانيا من مواليد سالونيك، لكنه تحوّل إلى الكاثوليكية عندما تزوج. كما يحدد القول ان نيكولا كان دائما قريبا منه وأنه قد منحه أيضا إلى جانب حب فرنسا، حسّ رجل الدولة.

ومن الأحداث التي يرويها بال ساركوزي، تلك التي عرفتها الفترة التي قرر فيها أن يترك هنغاريا في نهاية سنوات الأربعينات من القرن الماضي وتحديدا في عام 1948 وتحديدا أيضا إلى باريس. لكنه اكتشف أن هناك استحالة حقيقية بالحصول على تأشيرة الدخول إلى فرنسا آنذاك، فما كان منه سوى أن قرر الالتحاق كمتطوع للقتال على جبهة الحرب آنذاك في الهند الصينية. وكانت القواعد الإدارية آنذاك تقتضي أن يمضي خمس سنوات في الخدمة بالخارج وبحيث أن أية محاولة للهرب تكون عقوبتها الإعدام.

وبعد أن أمضى دورة تدريبية لأشهر في معسكر للتدريب في الجزائر «الفرنسية آنذاك» للمتطوعين في الوحدات العسكرية الخارجية، عاد إلى فرنسا قبل السفر إلى الهند الصينية. وقبل موعد الرحيل بأيام قليلة كان لقاء قد غيّر مجرى حياته. وهو يصفه كما يلي: «أثناء الزيارة الطبية الأخيرة التي تسبق السفر، كان الطبيب المكلف بإجراء فحوصي الطبية لتأكيد كفاءتي البدنية هو أحد مواطني بلدي الأصلي هنغاريا (...). وقد كان أحد أصحاب أبي أثناء الحرب العالمية الأولى 1914». لقد قرر ذلك الطبيب أنه غير مؤهّل صحيا للسفر إلى الهند الصينية وأنه يعاني من مرض بالقلب، وهكذا حصل على إذن مرور إلى باريس ك«عسكري في إجازة».

ولا يتردد بال ساركوزي في القول ان «حمل اسم ساركوزي اليوم خارج فرنسا يفتح أحيانا الكثير من الأبواب». وهو يؤكد واقع أنه عندما قرر أن ينطلق في عالم الرسم، وهو في سن السادسة والسبعين، سهّل له اسمه الأمر كثيرا حيث فتح له الكثير من العارضين أبواب صالاتهم.

وإذا كان بال ساركوزي يؤكد حرصه على ألا يسبب أية مشكلة لابنه الرئيس فيما يمكن أن يقوله عنه أو عن السياسة الفرنسية، فإنه بالمقابل يبدي سعادته «من أجله». ذلك أنه كان يحلم دائما بالرئاسة، لكن الأب، كما يقول، لم يكن يعتقد أبدا أن ابنه سوف يكون ذات يوم هو سيد قصر الاليزيه. بالطبع يعرب بال ساركوزي عن اعتزاز «المهاجر الهنغاري» الذي أمضى أول ليلة له عند بوابة مترو باريس، بأن يصبح ابنه رئيسا للجمهورية الفرنسية. ولم يكن بال ساركوزي قد حصل على جواز سفره الفرنسي، كما يقول، سوى في عام 1976. وتتم الإشارة الى أنه هذه هي المرة الأولى، مع نابليون، الذي يصبح فيها أحد أبناء الجيل الأول المهاجر رئيسا لفرنسا.

ومن المواضيع الأساسية التي يوليها بال ساركوزي اهتمامه في الكتاب، هناك حياته العاطفية. إنه يتحدث طويلا عن النساء اللواتي أحبهن. وهو يتحدث بكثير من التفاصيل، وبقدر كبير من الحرية، عن مغامراته العديدة. وهو الذي تزوّج 4 مرات. ويقول ان دادو اندريه - والدة الرئيس، لم تتحمل «عدم انضباطه» ف«ألقته خارجا». لكنه لم يتوقف حتى بعد الطلاق عن دعوتها «عزيزتي». إنها اعترافات رجل وصل مهاجرا مغمورا وغدا لاحقا أب رئيس جمهورية فرنسا.

المؤلف في سطور

بال ساركوزي، مؤلف هذا الكتاب، ليس سوى أب رئيس الجمهورية الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي، وكان المؤلف قد وصل إلى باريس مهاجرا من بلده الأصلي هنغاريا عام 1948.

نام في الشارع

تبدأ مغامرة بال ساركوزي يوم وصوله إلى باريس حيث أمضى الليل عند فوهة يخرج منها الهواء الدافئ من محطة للمترو. وكان يربط على قدميه بخيوط خرقا ممزقة كي يحتمي من البرد، إذ كان قد وصل العاصمة الفرنسية في أيام برد قارس. وانطلاقا من تلك الحالة قرر أن يبني حياته، أو بالأصح، كما يقول، أن يعيد بناء حياته ليستعيد أيام الرخاء التي كان قد عاشها في طفولته بهنغاريا، فهو سليل أسرة ميسورة بالأصل.

الكتاب: مقدار من الحياة

تأليف: بال ساركوزي

الناشر: بلون باريس 2010

الصفحات: 263 صفحة

القطع: المتوسط

Tant de vie

Pal Sarkozy

Plon - Paris 2010

263P.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات