سالم بن حم.. ذاكرة تاريخ وتجربة وطن

سالم بن حم.. ذاكرة تاريخ وتجربة وطن

صورة

يستعرض كتاب «سالم بن حم.. ذاكرة تاريخ وتجربة وطن »، لمؤلفه د. علاء نورس، ذكريات الشيخ سالم بن حم في رفقته للمغفور الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس وباني دولة الإمارات، إلى جانب، انطباعاته ورواياته بشأن أحداث ومجريات متنوعة، حدثت على صعيد إمارة أبوظبي ودولة الإمارات عموما. ويدعم الكتاب هذه القصص والذكريات بصور جاذبة ونادرة.

يقدم للكتاب سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان، ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية، مشيرا إلى أهميته، حيث يؤكد سموه أن قيمته الكبيرة تتبدى ليس فقط نظرا لما يحتويه من حقائق ومعلومات تتعلق بالسيرة الذاتية للشيخ سالم بن حم، بل لأنه يتضمن مادة وثائقية وشهادات حية عن أهم وأبرز المراحل التاريخية والتحولات الكبرى، التي مرت بها دولة الإمارات حتى الآن.

ويتابع سمو الشيخ طحنون في هذا السياق: «يحسب للشيخ بن حم أنه كان أحد الأعضاء البارزين في أول مجلس وطني لإمارة أبوظبي، حيث ساهم عبر سنوات عديدة في طرح ومناقشة كافة القضايا والمشكلات التي تهم الوطن، والمواطن، مع زملائه الأعضاء واقتراح التوصيات التي يرونها مناسبة لحلها، وتجاوزها وهو ما يعكس في الواقع مدى حبه وإخلاصه لأهله ومواطنيه، وانتمائه للوطن،.. ». ويشدد سموه على أن الأبرز في الكتاب، يتمثل في شهادات بن حم الحية على ألمع المراحل التاريخية والتحولات الكبرى في الإمارات.

يستهل الكاتب نورس، أبحاث كتابه، بصفحات وافية وغنية تحكي سيرة وجذور ونشأة الشيخ سالم بن حم، مبينا أنه ولد في العام 1925، في المنطقة الشرقية بإمارة أبوظبي، إذ عاش هناك طفولته التي قال عنها: «لم تكن تختلف عن طفولة أقراني الذين نشأوا وترعرعوا في ظل تلك الظروف البيئية والمعيشية الصعبة، التي كانت تسود المنطقة آنذاك، لم تكن هناك طفولة بالمعنى الصحيح، فظروف الحياة أضفت علينا نوعا من الخشونة، والقدرة على التكيف والمثابرة».

ثم يتطرق الكاتب نورس إلى محاور وتفاصيل مواضيع كتابه، موضحا في فصله الأول «سالم بن حم وذكريات الماضي القريب»، أن بن حم عاصر الزمن الصعب بجميع تحدياته وقساوته، فكان واحدا من الرجال الذين شكلت وصاغت شخصيتهم ملامح ومضامين الحياة الصعبة، لافتا إلى أن الاعتماد على النفس والتحلي بالصبر والجلد وقوة الإرادة، تمثل السمات العامة لأبناء بادية الإمارات، ويدرج الكاتب ما يحكيه بن حم عن هذا:»..

وكان سكننا عبارة عن بيوت مصنوعة من سعف النخيل، أو بيوت الشعر في الصحراء، أما بيوت أبوظبي والعين، فكانت عبارة عن خيام من جريدة النخيل. وكانت بيوت الميسورين والحكام، من الذين كانوا يسكنون بالقرب من البحر، مصنوعة من الطين».

ويتابع المؤلف إطلاعنا على طبيعة الحياة والخدمات في تلك الآونة، طبقا لأحاديث بن حم نفسه، إذ يشرح هذه الحيثيات: «لم تكن لدينا مدارس ولا مدرسين ولا مستشفيات ولا أطباء، وكان إمام المسجد هو الشخص الوحيد الذي يقوم بكل هذه المهام». كما يتعرض الكاتب لماهية وصف بن حم الحياة اليومية في تلك الفترة، حيث يستذكر فيها، نوعية الطعام الذي كان مقتصرا على الأرز والتمر وحليب النوق، وعلى السمك والتمر والأرز بالنسبة لأهل البحر.

ويتوسع المؤلف نورس، في بحثه ودراسته ضمن الفصل الثاني للكتاب «سالم بن حم وذكريات الماضي القريب»، في عرض مظاهر الحياة العامة في المنطقة خلال هذه المرحلة، بما فيها المياه التي كانت متوفرة عن طريق أفلاج العين، وكذلك بعد حفر الآبار داخل البيوت.

ونتعرف مع هذه الأحاديث على أن الماء كان يوزع بالحصة أو يباع ويحتكر من قبل الميسورين، وظل ذلك إلى أن أنهى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تجارة الماء، وقال رحمه الله، حينها: «إن مياه الأفلاج الآتية من جوف الأرض يجب أن تكون من حق كل الناس، الذين يعيشون فوق هذه الأرض».

ويبين الكاتب إثرها، وطبقا لأحاديث وتأكيدات بن حم، أن الشيخ زايد، رحمه الله، كان قد شارك في حفر الأفلاج بنفسه، وأيضا أمر بإنشاء فلج العين، فحفر في العام 1969، وهو يعد أكبر الأفلاج. ويسرد نورس في استعراضه لهذا الجانب، الكثير من قصص بن حم في رحلات القنص، وطقوس ومجالس رمضان، ومناسبات العيد التي كانت، رغم بساطتها، تلف الجميع بفرحة كبيرة، خاصة وان الناس كانوا يتبادلون الأطعمة والهدايا، ويبادلهم الحاكم التهاني، بموازاة إقامة الحفلات الشعبية، كالعيالة وركوب الخيل والعرضة.

ويخصص المؤلف الفصل الثالث في كتابه «الشيخ زايد والتحول في حياة سالم بن حم»، للتدليل على منحى التحول الكبير الذي طرأ على شخصية وحياة بن حم بفعل رفقته الطويلة لباني ومؤسس دولة الإمارات العربية، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، شارحا في هذا الصدد، رؤى وأفكار زايد خلال الفترة 1946 - 1971، وهو الوقت الذي حكم فيه مدينة العين.

ومشددا في استعراضه لهذه المرحلة على أن المغفور له، حسب تأكيدات بن حم في معايشاته الواقعية-كان يشعر منذ ذلك الوقت بقسوة ما يواجهه أبناء العين من ظروف صعبة، وهو ما جعله يضع خطة للخروج من عنق الزجاجة، خاصة وأن باب قلعة المويجعي (مقره آنذاك)، كان مفتوحا للجميع، ليستمع إلى الصغير والكبير دون تكلف، مركزا، رحمه الله، على الاستئناس بمداخلات بن حم، الذي كان يجلس إلى جواره، عادة.

وفي خصوص المرحلة اللاحقة، فترة قيام اتحاد دولة الإمارات وما بعدها، يعرفنا الكاتب نورس، على أن بن حم يلفت في سرده بهذا المجال، إلى نقطة مهمة مفادها كيف أن زايد، قائد الاتحاد، أصدر في اليوم الأول من شهر يوليو في العام 1971، قرارا بإنشاء المجلس الاستشاري الوطني، بهدف مساعدة الحكومة على أداء مهامها.

ويختار المؤلف أن يطلعنا على دور المغفور له الشيخ زايد، في بناء ركائز العمل الاتحادي بشكل نموذجي، عبر عرض تصريحات بن حم في هذا الخصوص، حيث يقول: «لا يستطيع أحد أن يحصي مواقف الشيخ زايد الحكيمة والرائدة منذ توليه الحكم، لقد كان بالنسبة لي كما كان لكل المقربين منه، مدرسة كبرى». كما يلخص لنا الكاتب، ما شدد عليه بن حم حول مواقف زايد التاريخية، وكيفية بنائه الدولة بالحكمة والعدالة، مؤكدا على نقطة مهمة، وهي تواصله المستمر مع مدينة العين.

شهادات واحاديث

يركز هذا الكتاب بصيغة توثيقية مشوقة، على مناقشة واستعراض مرحلة مهمة وركيزية في

تاريخ الإمارات المعاصر، وذلك بين الحاضر والماضي القريب. وتنبع أهميته انطلاقا من تضمنه شهادات وأحاديث متنوعة وغنية، تحكي عن دور وجهود المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في مشوار نهضة وارتقاء وبناء الدولة، وذلك على لسان الشيخ سالم بن حم، أحد الرجال البارزين، الذين عاصروا ورافقوا الشيخ زايد، مؤسس وباني نهضة دولة الإمارات العربية المتحدة.

المؤلف في سطور

الدكتور علاء نورس، أستاذ التاريخ في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الإمارات، في مدينة العين. نشر عددا من البحوث والكتب التي لها علاقة مباشرة بالتدوين التاريخي.

الكتاب: سالم بن حم.. ذاكرة تاريخ وتجربة حياة

تأليف: د. علاء نورس

الناشر: خاص ابوظبي2009

الصفحات: 219 صفحة

القطع: المتوسط

عبير يونس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات