جيل المسرح يبحث عن مكان بين النجوم

جيل المسرح يبحث عن مكان بين النجوم

صورة

حين كانت الاستعدادات قائمة على قدم وساق في مقرات الفرق المسرحية الأهلية لتحضير عروض للدورة الجديدة لأيام الشارقة المسرحية، والتي انعقدت في السابع عشر من مارس الماضي 2010، كان واضحا أن هناك تيارا مغايرا يأخذ تلك العروض إلى محاولات شبابية للولوج إلى معترك مهرجان، عرف عنه انه مكان النجوم والمسرحيين من العيار الثقيل، أو ما يطلق عليه مسرح الكبار.

فمهرجان أيام الشارقة المسرحية الذي تعتق عبر سنوات طويلة انطلاقا من بدايات الثمانينات، وترسخ كمنصة للإبداعات المسرحية واشتهر في المنطقة كأهم مهرجانات المسرح، مثل حلما لجيل الشباب والهواة من المسرحيين الذين كانوا يتدافعون إلى بواباته عبر مشاركات ثانوية في أعمال مسرحية هنا وهناك، ولدرجة كان معها صوت هؤلاء الشباب يعلو مطالبا بفسح المزيد من المجال أمامهم للتعبير عن صوت الإبداع الداخلي الذي يشعله فتيل الموهبة والافتتان بهذا الضرب من الإبداع.

ولكي تحين لهم الفرص الذهبية لاعتلاء منصات التتويج في هذا المهرجان الذي تأصل في حراك الساحة الفنية في الإمارات، حالهم كحال المسرحيين الكبار الذين تحيط بهم هالة من الشهرة، كانت كافية ومغرية لأولئك الشبان الذين يتسكعون على قارعة الفن المسرحي، وكثيراً ما كانت الاحتجاجات التي تحمل نوعا من اللوم، والموجهة لجيل المسرحيين الكبار بحجة أنهم يغلقون الطريق على جيل يافع مسرحيا يريد إثبات وجوده..

لم تكن هناك فسحة واسعة لهؤلاء الشباب، فصاروا كثيرا ما يتحولون إلى مجرد مشاهدين، إلى أن انطلق مهرجان مسرح الشباب في دبي، قبل خمس سنوات تقريبا، ليفتح نافذة مسرحية يطلون منها على إبداعات بعضهم البعض، وتدفع بهم إلى حلبة المنافسة. فيمارسون كتابة النصوص المسرحية والإخراج والتمثيل وفنون الديكور وغيرها من المفردات الفنية المسرحية التي زاحمهم عليهم الكبار.

جدل

إن الدورة العشرين لأيام الشارقة المسرحية في مارس الماضي، قلبت الموازين حينما ظهر على ساحتها مجموعة من الشبان اغلبهم تجند بروح المنافسة بعد المشاركة في مهرجان مسرح الشباب وقطفوا ثمار خبرة، رسخت لديهم قناعة بالقدرة على المنافسة وولوج المنافسات الفنية، وكأنهم جاؤوا إلى هذا المهرجان الكبير أو مهرجان الكبار بعد أن مارسوا مرانا جيدا فاشتدت أعوادهم. وحينما طافت لجنة اختيار العروض على معظم الفرق المشاركة في الدورة العشرين للأيام، علت أصوات تقول إن مهرجان أيام الشارقة المسرحية في دورته العشرين سوف يخسر الكثير بغياب المسرحيين الكبار وباعتماده على تجارب الجيل الشاب.

وقد يبدو أن لجنة الاختيار قد قالت هذا أيضا في تقريرها، وما رشح عن رأيها وانطباع أعضائها كان يقول أيضا إن العروض المتنافسة في الدورة الجديدة، لا ترتقي إلى قوة الأعمال المسرحية التي شهدها تاريخ هذا المهرجان عبر السنوات الماضية، لهذا رشحت اللجنة ثلاثة عروض فقط كأفضل عروض مسرحية باستطاعتها دخول المسابقة الرسمية، مشيرة إلى ان السبعة الأخرى لا يمكن تصنيفها إلا في عروض الهامش، وخرج القرار الرسمي من قبل اللجنة العليا بعد ذلك بمشاركة ستة عروض في المسابقة وأربعة عروض على الهامش. بدعوى ضعف المستوى الفني العام.

دار لغط كثير حمل كبار المسرحيين من الذين عرفت لهم الأيام إبداعات متميزة، ذنب سقوط الدورة الجديدة لأيام الشارقة المسرحية في محيط ضعف المستوى الفني، مع هذا خرج مدير مهرجان أيام الشارقة المسرحية احمد بورحيمة بقناعة مغايرة وهو يجيب على اتهام عروض الدورة العشرين لأيام الشارقة بالضعف، نتيجة غياب نجوم المسرح، وجاء رده على وسائل الإعلام ايجابيا ولصالح دخول الشباب على خط مهرجان الأيام، فهو يرى أن هذا هو التطور الطبيعي لأي فعل وحراك فني، وان المسألة هي مرحلة انتقال الراية بين جيل الرواد وجيل الشباب، وهو الأمر الطبيعي الذي يزحف عنده الشباب إلى أمكنة الكبار، لكي تترجم حركة التاريخ حركتها الطبيعية.

إبداعات الدماء الشابة

افتتحت أيام الشارقة المسرحية دورتها العشرين في السابع عشر من مارس، وتوالت عروض الفرق المسرحية التي طغت عليها روح الشباب في جميع المجالات. وفي ذلك التنافس المحتدم لنيل جوائز المسابقة، كانت هناك أصوات تصر على ضعف المستوى، وأصوات متفائلة كانت تدفع وتشجع وتتبنى طبيعة انتقال الراية إلى الدماء الشابة، وبين هاتين الوجهتين، كان أولئك الشبان وهم يمارسون احتلالهم لمنصة الكبار، يتجنبون صوت الإحباط ويقتربون من الذي يحثهم على المضي والتقدم والثقة والمغامرة.

وقد شاركت في الأيام عشر فرق مسرحية، قدمت احد عشر عرضا مسرحياً تميزت بحضور شبابي كثيف، وهي: «شربي نخل صالح» لمسرح دبا الحصن، «رحلة وداع» لمسرح كلباء الشعبي، «المريحانه» لمسرح بني ياس، «عائلة خمس نجوم» لمسرح الفجيرة، «ريا وسكينة» لمسرح خورفكان، «نبش القبور» لمسرح رأس الخيمة، «ليلة بعمر» للمسرح الحديث، «حنه» لمسرح حتا، «مجرد دمى» لفرقة مسرح الشارقة الوطني. أي تسعة عروض مسرحية أسهمت في إشراك اكبر كم من الوجوه الشابة، توزعوا في أدوارهم ما بين الكتابة والإخراج والتمثيل، وكثير منهم حصدوا جوائز مهمة في الحفل الختامي للأيام ونالوا جوائز مهرجان كانوا يعتقدون أن أسواره منيعة عليهم.

فقد ذهبت جائزة أفضل تأليف للمؤلف الشاب جاسم الخراز عن مسرحية «ليلة بعمر»، وهو في الأصل ممثل مسرحي ظهر في دورات سابقة للأيام من خلال أداء ادوار متميزة، لكنه برز كمؤلف للمرة الأولى خلال مهرجان الشباب، وجاء اليوم ليحصد جائزة التأليف في محيط الكبار وهو بلا شك أمر يفتح له نافذة ثقة وهو يرى حلمه يتحقق في سباق الكبار.

كما ذهبت جائزة أفضل ممثلة دور أول مناصفة لكل من الممثلة غزلان عن دورها في مسرحية «ريا وسكينة» والممثلة بدور عن دورها في مسرحية «حنة»، وبالرغم من أن هذه الأخيرة سبق لها وان حصدت جوائز خلال دورات أيام الشارقة السابقة، إلا أنها لا زالت تحسب على جيل الشباب وكانت صاحبة جائزة التمثيل الأولى خلال مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورته الأخيرة. وكانت منصة التتويج أيضا بانتظار الشابين فيصل علي الذي نال جائزة أفضل ممثل واعد عن دوره في مسرحية «ليلة بعمر»، والممثلة ريم الفيصل التي نالت جائزة أفضل ممثلة واعدة عن دورها في المسرحية ذاتها. وهما أيضا من جيل الشباب.

كسر النمط

في تقريرها الختامي الذي أصدرته لجنة الدورة العشرين للأيام في الحفل الختامي كانت الإشارات واضحة بانضمام صوت لجنة الحكم إلى الأصوات المطالبة بضرورة وجود المسرحيين الكبار في مهرجان الأيام، فقد أشار تقرير اللجنة إلى غياب كوكبة من نجوم ورواد المسرح الإماراتي في هذه الدورة كما أوصت اللجنة بضرورة إقامة الورش المسرحية، ولاحظت تكرار الجمع بين التأليف والإخراج في أكثر من عمل قدم خلال المهرجان، كما لاحظت ضعفا في اختيار النصوص.

وإذا كانت لجنة الحكم قد انحازت مع التيار المطالب بإبقاء مهرجان أيام الشارقة المسرحية حكرا على كوكبة المسرحيين النجوم، ورصدت توصيات معتادة، وكما في كل مرة، في دورات سابقة، فان حركة التاريخ الفني ستسير في النهاية مدفوعة بعجلة الواقع والتطور الطبيعي في محيط الأجيال التي تتعاقب على منصة المسرح.

فالكبار الذين أضاؤوا منصات التتويج في دورات سابقة سيأتي يوم وتتحول أدوارهم إلى أماكن غير تلك المنصة، كأن يتحولوا إلى نقاد ومتابعين وجمهور أو ممارسي مسرح في تجارب متباعدة، والجيل الشاب الذي يضغط حضوره بقوة لابد وان يمتلك الحق في إبقاء الأبواب مفتوحة أمامهم، وإذا كان الكبار يشعرون بالحرج من منافسة الشباب لهم، فهذا أمر طبيعي تدفعه دورة الحياة والتاريخ.إن اتهام الدورة العشرين لأيام الشارقة المسرحية بضعف المستوى الفني، كونها اعتمدت على جيل يافع مسرحيا، لا يعني تراجعها، بل هي تفتح بوابات التفاؤل والأمل والفرح أيضا.

فهذه التجارب الشابة الفتية سوف يشتد عودها مع تكرار المراس والمران، تماماً كما حصل لجيل الرواد، أو النجوم أو كوكبة الكبار، فمن يعيد شريط الذاكرة لدورات سابقة لمهرجان أيام الشارقة المسرحية سوف لن يبتعد عن الصورة الحالية التي تمثل مشهد البدايات الأولى.إن كوكبة الشباب التي فازت وحصدت جوائز الأيام أمام مرأى المسرحيين الكبار الذين اختاروا مقاعد المشاهدة، اثبتوا أنهم يستحقون منصة هذا المهرجان العريق.

وحين نتأمل العروض التي قدموها نستطيع أن نستشف ملامح المغايرة والاختلاف، فهؤلاء الشباب استطاعوا على الأقل كسر حالة النمط التي كرسها الكبار في مهرجان الأيام، خرجوا عن المألوف والمعتاد، ومارسوا رؤى جريئة مغامرة. فكثيرا ما نوهت تقارير لجان تحكيم الدورات السابقة للأيام، بوجود نمطية كلست الرؤى في فضاء المسرح المحلي، ولابد من كسر هذه القوقعة الكلسية والخروج منها إلى فضاءات جمالية بكر..

مستقبل

المخرج محمد صالح والكاتب جاسم الخراز، والممثلان ريم الفيصل وفيصل علي، أربعة شبان حصدوا أربع جوائز مهمة في مهرجان الأيام، واعتبر العرض الذي قدموه «ليلة بعمر»، عرضا شبابيا مئة بالمائة، يعزز مقولة مستقبل المسرح ومستقبل الشباب المسرحيين.

منصة

في مسرحية «رحلة وداع» لمسرح كلباء كان واضحا أن العرض يعتمد على ممثلين شبان يتلمسون خطاهم على خشبة المسرح، ولم يحقق العرض جوائز مهمة، لكن من شاهدوا العرض سرهم أن يروا طاقة شابة تلتمع من بين الممثلين، وهذا بحد ذاته انجاز، فالمسرح في النهاية ليس سباق خيول ولا هو لعبة نرد، وإنما منصة تتجلى من خلالها طاقة الجمال الكامنة دوما في أماكن لا ندركها.

جدية

فرقة مسرح بني ياس وهي الفرقة الأحدث في التأسيس، وفرقة تبحث عن تكوين عناصرها باجتهاد متواصل، كانت هناك فكرة تجريبية رائعة من خلال العرض الذي قدمته «المريحانة»، وان كان المؤلف والمخرج فيصل الدرمكي يتكئ على خبرة كافية، فان مجموعة الممثلين أيضاً، يحسب لهم أنهم كانوا جادين في كسر قوالب الأداء.

مرعي الحليان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات