الفنان حسين ماضي: الطبيعة معلمتي

الفنان حسين ماضي: الطبيعة معلمتي

صورة

لا يشعر المتلقي وهو يقف أمام لوحات الفنان التشكيلي اللبناني حسين ماضي، إلا وأنه يراقب كائنات حيّة، تجسدت في مساحات وكتل لونية متقنة الصنع، وذلك سواء كان جسد إنسان أو طير أو شجرة، إذ يثير هذا لديه الكثير من معاني وحالات التأمل، التي تأخذه إلى عوالم أخرى، يستقر معها في فسحة خيالات متنوعة مشبعة، تعبق بعالم اللون ورمزياته ودلالاته الحياتية.

«لا يكون العمل الفني جميلاً ما لم يكن صحيحاً»، هكذا اختار الفنان اللبناني حسين ماضي أن يجيب عن سؤال «مسارات» حول طبيعة أعماله الفنية وجمالياتها التشكيلية، وهذا الاكتمال الجمالي، في نظره، يتأتى من الطبيعة، ويقول في هذا السياق: «الطبيعة معلمتي الوحيدة، ولا تنبع الأعمال العظيمة إلا من الخالق الأكبر».

الطبيعة مصدر إلهام

يسعى الفنان في جميع معارضه إلى استعادة الطبيعة عبر فضاءاته التشكيلة والجمالية، بين اللوحة والمنحوتة، حيث يمزج فيها قلم الرصاص والفحم والأحبار السوداء والبنية واللوحات الورقية والقماشية ولوحات الطيور والنساء العاريات والثيران، فمن أين يأتي كم هذا الثراء في لوحاته؟

أنا أنطلق في الأساس من ذخر وجود موهبة غنية لأحيك نسيج علاقة خاصة بينها وبين الطبيعة، فأرصد أنظمتها وتراكيبها المختلفة بالتفصيل، لأختبر وأجرب بذلك كثيرا، قبل أن أبدا محاولة الرسم، وعقبها تبدأ لدي مرحلة التبسيط، لأنني لست بصدد نقل الطبيعة، بل تجهيز مساحة بالأسود والأبيض، أو بالألوان، لتشكيل عناصرها.كما أنني أحرص على ألا يكون هذا بمثابة مسألة اختزال، إلا إذا سبقتها معرفة كاملة بالبناء الأساسي للأشكال.

علاقة خاصة

لا شك في أننا نتساءل ملياً حول منوال وطبيعة صلة ماضي بالطبيعة، حيث نجده يصر على أنها تحوز خصوصية؟ وهو يقول في هذا المجال: إننا نفتقر، في الواقع الفني العربي، لوفرة في عدد الفنانين العرب الشغوفين بالطبيعة، وتحديدا في وجهة صلة يميزها الارتباط المباشر، وأنا أتجاوز رسامي المناظر الطبيعية، ولا يمكن أن أعد منهم بطبيعة الحال، كون الطبيعة بالنسبة لي، عبارة عن مدى حيوي خلاق، أستمد منه فني وطاقتي، وقد صرحت بهذا عبر لغة اللون والتشكيل، في لوحات تعني الخصوبة والتوالد عند البشر والحيوانات والأشجار. ودائماً أنا لا أهدف إلى إيجاد المعاني الدينية، بقدر ما أجد لذة في الاندماج والتفاعل مع الطبيعة. وأنا كما أرسم تلك الأشكال، أعمل على نحتها أيضاً، مثل النساء والأحصنة والثيران والقطط والتفاحات وأوراق الشجر.

الفن الإسلامي.. هندسة وتجريد

يذكرنا هذا الفنان بعظماء الفنانين، أمثال بيكاسو وماتيس. ولكنه يغضب عندما تتم مقارنة أعماله بأعمال هذين الفنانين، بل ويثور على موضوع التأثيرات الفنية، قائلاً: الفنان يتأثر بكل شيء، وهو إلهام ووحي إلهي، شئنا أم أبينا، وكما قلت لك قبل قليل، الخالق الأكبر هو الذي يمنح الأعمال التشكيلية العظيمة قيمتها وجماليتها. كل شيء من الخالق. أنا أعمل ضمن قواعد الطبيعة وما توحيه لي، وليس ما أتأثر به من الفنانين.

هذه أشكالي، لأنني كنت على الدوام مسحوراً بأشكال الطيور، ربما توحي لي دينامية أجنحتها بهذه القوة الخلاقة، التي أرى من خلالها العالم بعيني الفنان التشكيلي، سواء كان الشكل إنسانا أو شجرة أو طيرا. نعم تأثرت، ولكني تأثرت بتراث الفن السومري، أو فن بلاد ما بين النهرين، ولا بد أن أشير هنا إلى ماهية تأثير الفن الإسلامي، وهنا أؤكد بصراحة على أنني لا أقرأ الكتب حول الفن، بل أفضل الغوص في دراسة الفنون، وخاصة الفن الإسلامي وكيفية استخدام الخطوط والألوان، وأعتقد بأن الفن الإسلامي يستمد هندسته وقوته من مبدأ التوحيد، الذي هو مصدر كل الإبداع. ولعل هذه القوة تكمن في كونه فناً هندسياً ومجرداً. وهذا ما يتيح علاقة قوية بين الكل والجزء.

إيطاليا.. صقلت ثقافتي الفنية

حديث الفنان ماضي حول إيطاليا وما عايش ونهل فيها من خبرات، أذكت قدراته الفنية، يتسم بالشجن، والتشديد على أنها أضافت إليه الكثير من الرؤى الإنسانية والفكرية، حيث يقول: إيطاليا صقلت ثقافتي الفنية. لم أدرس هناك، ولم أتابع أية مدرسة أكاديمية أو أنكب على دراسة كتب الفن، بل كنت أتعلم وأكتسب من التردد على الغاليريهات والمتاحف، لكي أربي رؤيتي البصرية. وتعلمت أيضاً كيف أتذوق الموسيقى والأوبرا والمسرح، إضافة إلى ما قدمته لي تجربتي في مقابلة الفنانين والتحاور معهم.

واكتشفت روما، حيث بقيت فيها نحو عشرين سنة، كما تعرّفت إلى روح تلك المدينة، وإلى أجيال من الفنانين والمهندسين والبنّائين الذين بنوا مدينة الحضارة تلك. صغت علاقات مع الشوارع والساحات والنصب والتماثيل والمتاحف والكاتدرائيات. وتواصلت مع الناس، وتعمقت معها في معرفة مفاهيم السلام، وطبعتني تلك السكينة هناك، وأخذني حبّ الشعب الإيطالي للحياة، وطبعاً الإنسان الذي يحب الحياة هو حتماً ينتمي إلى حضارة.

وهناك تدرَّبَتْ عيناي على النظر بشكل أفضل، فصار فكري أكثر قدرة على تحديد الأمور والتمييز!، قضيت أياماً طويلة أنهل من روائع الفنون في متاحف روما وصالات الفنون. وفي مقاهي روما، تعرفت إلى وجه أنطوني كوين وفليني وبرت لانكاستر والبرتو موارفيا. كنا نشرب القهوة على الطاولات الصغيرة المتقاربة. علمتني روما أن أكون إنسانا، فناناً حراًّ يحرّض على الخلق والابتكار والإبداع.

لحية حمورابي

رددت كثيراً بأنك تعلمت من القرآن الكريم، ماذا كان بالتحديد؟

أجل علّمني القرآن الكريم الكثير، كيف أمشي وأتأمل وأحيا، وكيف أعامل الآخر، وعلمني أيضاً إتقان العمل ومصادقة الناس وحبهم واحترامهم. ثمة مبدأ لكل شيء في الحياة، ومبدأ تكوين الكون يتمثل في العبارة: «علّم الإنسان بالقلم»، أي كيف ترسم الإنسان باليد، وبالعقل. كل شيء موجود في الحياة، هو مرسوم مسبقاً، أنت مرسوم ووجهك مرسوم.

هل يعني هذا أنك صوفي النزعة؟

كلا، «لست صوفيا ولا قطنيا»، يتوقف قليلاً، وساخراً يضيف: أنا حسين ماضي، أريد كثيراً من المال حتى أصنع كثيراً من الفن. ولا أريد أن أصنع فناً حتى أجمع كثيراً من المال: «الكفن ما له جيبة». هكذا يورد المثل اللبناني الشعبي ويضحك. ودعني أذكر بصراحة وشفافية فكرة لي عن نفسي، لا أستعيرها أو أسرقها أو أمسخها، إني أراها قناعة، يترجم شكلها ونموذج صورتها، قالب مضمون مطابق للشخصيات التي أشير إليها، وهي: «إن لحيتي تشبه لحية حمورابي، وعندما أضع يدي على وجهي أبدو مثل بيكاسو».

ما هو رأيك في التأثيرات الغربية على الفنانين العرب؟

ماذا أقول لك؟ الفنانون العرب يقلدون الفنون الغربية، يستغلون الجهل الثقافي السائد في العالم العربي منذ ثلاثين أو أربعين سنة، إن أول أكاديمية أسسها الطليان في مصر، ولكن جميع الفنانين العرب يسافرون إلى الخارج لكي يدرسوا.

كيف يمكن أن تنتقل من الرسم إلى النحت بهذه السهولة؟

النحات يجب أن يكون رساماً من الدرجة الأولى، وأن يعرف كيفية تشريح جسم الإنسان والطير والحيوان، حتى يتعامل معهم بمعرفة، أليس كذلك؟.

هندسة الألوان والجسد

يتميز الفنان ماضي بخصوصيته اللونية، ففي لوحاته يعطي الألوان معناها وقيمها الجمالية، ويعبّر عن ذلك من خلال الجسد، وهذا طبعاً إلى جانب الحروفية، فماذا يقول حول ذلك؟:

لا بد أن نعي أن تصوير وعكس الجسد يتمان وفق نظرة خاصة، وضمن رؤية بصرية هي حصيلة الحضور الجسدي، لأعبر بهذا عن رغباتي الإبداعية بالمساحات اللونية التي تزخر بها لوحاتي، ثمة حروفية أنطلق منها، تفتح أمامي باب المعرفة والخيال، فاللوحة بالنسبة لي نشاط مستمر لا يتوقف، هذا النشاط له نكهة ومعنى ودلالات، وكل هذا التنوع يصب في مناخ خاص يتكون ويستمر طويلاً في لحظاتي وأوقاتي، وكلما زادت الاستمرارية يظهر عمل جديد.

نبذة

ولد في 4 فبراير من عام 1938 في شبعا جبل حرمون لبنان. درس الفن في أكاديمية الفنون الجميلة في بيروت في عام 1958، وعمل تسعة شهور في بغداد كمصمم غرافيك في عام 1963، وغادر لبنان في عام 1963 إلى روما، فطور فيها أساليبه الفنية، ولم يعد إلى وطنه إلا في عام 1987. حاز على العديد من الجوائز الفنية العالمية، وأقام عدداً كبيراً من المعارض في مختلف أرجاء العالم، وتتواجد أعماله في عدد من متاحف العالم.

أحب النساء

ولكن ربما سنتساءل كثيراً ونحن أمام عالم لوحاته عن منحى ومرد اهتمامه بالمرأة في تصويره للجسد الإنساني؟.

يقول الفنان ماضي في هذا الخصوص: أحب النساء، وحبّي لهن يدفعني إلى رسمهن وتلوين أجسادهن ووجوههن على القماشة. كذلك أشتغل على جسد المرأة نحتاً، وفي ذلك متعة كبيرة لي، فمعرفة النسب والمقاييس الجمالية لجسد المرأة هي الحافز الأساسي في هذه المغامرة الفنية الممتعة. أشعر أحياناً أني أسير مجموعة هذه التكوينات والخطوط التي تشكل جسدها، وهي إغراءات لا أقاومها بل أستسلم لها فنيّاً.

شاكر نوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات