الرماد.. رميم الذاكرة

الرماد.. رميم الذاكرة

الرماد: رميم الذاكرة، فيه ما يصعد بالنظر إلى أعالي العناصر بأبعادها المختلفة، ما يذهب بالنظر إلى الأصول تلك التي تمثّل مسيرة حياة الكائن المنتهي رماداً، والرميم أثر ناطق بموجوداته لمن يهتّمُّ بحقيقته الطبيعية.

ليس من السهل الوقوف على حقيقة الرماد، بما أنه يشمل كلَّ ما هو قابلٌ للاحتراق، ويفقد علاماته الفارقة. الرماد لاغ لخصوصيات العناصر، ليس فيه ما يمكن التعرف إليه. إنه حالة النسيان التي تلحق بالأشياء، وقد فقدت أبعادها سوى أن ذاكرة تخص شملها. ليس في وسع أيٍّ كان تحرّي طبيعتها، إنها على قدر دقتها. ثمة اختزال لعالم العناصر المحترقة إذاً، ثمة تذويب للفروق كما هو إمّحاء للممكن معاينته. الرماد في أصله عصي على اللمس، فهو بمجرد لمسه ينمحق/ يتذرر بين الأصابع ويتطاير في الهواء، إنه المجاور للعدم رغم وجود النقيض.

الرماد: رميم الذاكرة، فيه ما يصعد بالنظر إلى أعالي العناصر بأبعادها المختلفة، ما يذهب بالنظر إلى الأصول تلك التي تمثّل مسيرة حياة الكائن المنتهي رماداً، والرميم أثر ناطق بموجوداته لمن يهتمُّ بحقيقته الطبيعية. عبر إلغاء التنوع وتجاوز المختلف، حيث كان للروائح والألوان والأبعاد الهندسية مكانتها واعتبارها، يتقدم الرماد بما يتخلله من سر الكائنات وقد توحدت، ربما نفخة ما تقودنا إلى الكامن في الرميم: مداد الرماد، مسحوقه!

يحيل الرماد على مجاهيل كثيرة أو اللامسمى في العناصر، لحظة النظر في مادته الهشة الناعمة والمتطايرة في الريح، ثمة من يعتمده دواء لجرح، ربما تلبية لرغبة أو قناعة وهي أن وحدة أرواح متضامنة، تمتلك القدرة في مداواة الجرح ذاك. إن انقطاع الأنفاس الممثّلة لأنواع وأجناس كذلك، يشي بالأعمق في صمت الرماد، عندما يكون في مقدور الرماد المتجمع لقاءَ الكائن الحي، تعبيراً عن تفاعل في الصميم لا يسبَر غوره في الحالة هذه، إلى درجة أن الضليع في أمور الخواتم وحده الأقدر على فك لغز الرماد فيما يؤول إليه، وما يمكنه عمله إيجابياً!

ما يفصح عن ذلك هو أن مفهوم الرماد مركَّب، فهو يشير إلى الجهات قاطبة، بقدر ما ينطوي على سر عميق أقله أنه مفتتحُ تاريخ عرف فيه الإنسان نفسه، عندما تآلف مع النار، وأدرك ما وراء اشتعالها، كيف اكتشف كلمة السر التي تمكنّه من السيطرة على النار: إشعالاً وإطفاء، ويكون الرماد شاهداً على أثره هو، ليكون الرماد جامعاً بين المعتبَر سيد مخلوقات الطبيعة بعقله المميَّز، وكل ما يقبل حكم النار فيه، ونحن أنفسنا لسنا بعيدين عن تأثيرها.

في رميم الذاكرة لا يعود الرماد كائناً مكانياً، إنما يصعد بمحفّز الخيال عالياً وواسعاً، يستحضر مكانياً صور الذين استأنسوا بالنار، وحرَّكوا الرماد في الموقد أو غيره، لتطول مدة أنسهم، أو استفادتهم: دفئاً وأمناً وراحة نفسية، ليكون الرماد سارد حكايات لا يُذكَر فيها اسم المؤلف، لأن ثمة ما لا حصر له قد انتهى أمره إلى الحالة الرمادية.

وبالتالي فإن تاريخ الرماد يشغل الليل أكثر من النهار، وبالتالي فإن سطوع شمس النهار هو الذي يثير فضول الناظر ومقتفى الآثار، لمعرفة المؤتنس بالنار، حيث يكون الرماد منطوقاً، أو يتم التدقيق فيه أكثر عندما يجري طمس أثره بذروه هنا وهناك، كما هو عمل الوثيقة التاريخية، وفي الحالات مجتمعة لا يمكن تجاهل مكانة الرماد، لا يمكن إزاحة الرماد جانباً، لأن ثمة تاريخاً يعني الذي يريد إزاحته بمحو كل أثر له.

إن الرماد عصي على التبديد، لأن من المستحيل تضييع أثر، يكون الباحث فيه هو نفسه المهتم به، هو نفسه من يراهن عليه في إذكاء نار قصيدة شعرية تؤنس له وحدته، أو تكون علامة حضور مكانية له، أو تعرّف به وهو غائب، أو رسم لوحة فنية، أو إبداع عمل موسيقي ملهم...الخ، لكن الرماد ما عاد المرئي ملء النظر فقط، وإنما صار شغلاً شاغلاً ولو لبعض الوقت للذين يمعنون النظر في الآثار، وفي صنوف الأوابد المكانية.

وحتى محاولة تخيل أصوات من مضوا، وتخيل روائحهم في عهدة أمكنة مختلفة، والاهتداء إليهم عبر رماد من نوع مختلف، يكون صلة الوصل بين ما هو حسي وما صار رمزياً، وبالطريقة هذه يستمر التفاعل مع المكان وأهليه، حتى في الإطار الذي لا تعود النار تترك أثراً، إذ يكون الاحتراق كاملاً، ولكن يبقى تخيل الأثر عبر رماد ما، من خلال شركاء لنا في خانة الكائنات الحية: النباتية تسمية طبعاً، إنه الرماد الذي يغدو موضوعاً لنا، جديراً بالرعاية والعناية حتى قبل بلوغ اللحظة الرمادية.

ونحن نتوخى المزيد من الحميمية في علاقتنا ببيئتنا، لأن الرماد الذي بالكاد يلفت الأنظار، يستحيل تجاهله أو اعتباره حيادياً، بما أنه مقياس ضبط وخلافه للكثير من أوجه تعاملنا مع الطبيعة من حولنا، وطريقة تقديرنا لها، ونحن نستشعر ناراً من نوع مغاير، تتوهج وسط الرماد، تكون لسان حال المحترَق، أي تكون ساردة الحكاية الطويلة غير المعروفة من قبلنا بداية ونهاية، حكاية النار التي اكتشفها سلف لنا في لحظة ما.

وصار الرماد فعل الحكاية في تعدد أزمنته، وليبقى الفاعل المصغي إلى الحكاية، أي منا دون تمييز في الحسب والنسب، كما هو الرماد الذي يحيل إليه المختلف، وقد بات مؤتلفاً في أصل حتمي ومهمَّش يسمى: الرماد.إنه رمادنا نحن، مدادنا الذي يلخص كياننا العضوي، ويستبقيه تبعاً للأثر الذي يخلّفه كل منا إثر رحيله النهائي!.

إبراهيم محمود

طباعة Email
تعليقات

تعليقات