الأسرة في الغرب

الأسرة في الغرب

صورة

ظلت الأسرة قبل الثورة الصناعية مقدسة، ومع انتهاء عهد الإقطاع والكنيسة وظهور الآلة تراجعت الصناعات المنزلية واتجه الناس للعمل في المعامل الكبيرة وإلى هجرة الريف إلى المدن الكبيرة، كما ظهرت الطبقة الوسطى والطبقة الارستقراطية، وتحولت الأسرة من منتجة إلى مستهلكة لكن البروتستانت استطاعوا امتصاص آثار التغيرات الاقتصادية على الأسرة وتأصيلها بالعمل الخيري والتبشيري وربطها بالكنيسة وقد نظّر لهذا النظام الأخلاقي صمويل سايلز.

وبدءا من القرن الثامن عشر وظهور اللادينية بدأت الأسرة تتفكك وتنهار وتؤكد الباحثة أن تفكك الأسرة بدأ من المحافل الماسونية( البنائين الأحرار) وتستشهد بذلك من دراسات بات روبرتسون . كانت هذه المحافل تعمل على احتواء أنظمة الحكم السياسية فقد انضم إليها ستة عشر من الأمراء الانجليز منهم جورج الرابع وادوارد السابع وادوارد الثامن وكان من أهداف «جمعية المستنيرين» 1776 القضاء على الأنظمة الملكية والملكية الفردية وحب الوطن والقومية والقضاء على الأسرة وإنشاء حياة جماعية للأطفال.. وقد سعى ويزهوبت إلى دمج الماسونية مع حركة المستنيرين وقام بنقلها من مقرها في فينيا إلى فرانكفورت ويشير روبرتسون إلى أن الماسونية هي المؤسس الفعلي للثورة الفرنسية والثورة الشيوعية. فستة عشر من أول مجلس حكم روسي بعد الثورة البلشفية هم من اليهود ولولا دعم اللورد ملنر للثورة الشيوعية بعشرين مليون دولار لما نجحت، ومن اجل خلق نظام عالمي جديد أشعلت الماسونية الحرب العالمية الأولى التي تمخض عنها مؤسستان هما «عصبة الأمم» و»مؤسسة الشيوعي العالمي» ويعدّ المانفستو الشيوعي واضحا في تقويض الأسرة باعتبارها مكونا بورجوازيا يحول الأطفال إلى قطع تجارية.

وقد اتخذ كارل ماركس من نظريات لويس هنري مورجان الأميركي مدخلا لنظريته حول الأسرة؛ فالأسرة الدنيوية هي نظام مأخوذ من الأسرة السماوية وان الأسرة أول مظاهر الاحتكار لأنها تدعم التملك والنزعة الفردية فالأصل هو المشاعة البدائية وذهب المانفيستو الشيوعي إلى اعتبار النساء ملكية عامة وقد أكمل فريدريك انجاز ما بدأ به ماركس.

فأتمّ الجزأين الثالث والرابع من رأس المال وكرس مبدأ الصراع بين الرجل والمرأة ورأى في الزواج من امرأة واحدة إخضاعا من الذكر للأنثى وقضى بأن أول اضطهاد طبقي هو اضطهاد الذكر للأنثى وذهب إلى أن الزواج مخالف للطبيعة الإنسانية وان الخيانة الجنسية تعبير عن الوضع الطبيعي الإنساني أما المرأة غير المتزوجة فهي أسيرة بدورها للتشريعات الدينية .

وأسيرة الخوف من حمل الأطفال أما المرأة الفقيرة فهي تحول جسدها إلى وسيلة إنتاج والقضية الجوهرية هي حرية المرأة الجنسية والحل هو الإباحية المطلقة بالتأميم والمصادرة وإلغاء مظاهر الاسترقاق وتدمير الدين وإهلاك الأسرة المسيحية وتمجيد الجنس الشخصي لتحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين !

وفي أوروبا حاول مؤسس علم الاجتماع الغربي إميل دوركهايم ( 1858- 1916) ومعه مجموعة من العلماء اوغست كونت وهربرت سبنسر، معالجة انهيار الأسرة الاجتماعي والحد من ظاهرة الانتحار والطلاق وانخفاض نسبة المواليد باقتراح بدائل للأسرة هي تنمية النظام التعليمي ( مدير المدرسة بدلا من الكاهن ) لإعداد الفرد العلماني المعافى وسمح للأسرة بدور معنوي صغير وبدائي من دون أن يوضح كيفية تأدية هذا الدور.

وتعد الحركة الأنثوية -وهي غير النسوية - تحديا معاصرا للأسرة وليس للأنثوية تعريف محدد أهم التعريفات هو الإباحية، والاستغناء عن الرجل. وإقصاء الدين لأنه يعتبر المرأة سببا للآلام الإنسانية وللخطيئة الأصلية.

ظهرت كتابات مبكرة في القرن السادس عشر لريتشل سبيت ومارجريت فوكس وغيرهما تعتبر الرجل والمرأة شريكان في الخطيئة الأصلية وقد دفع كتاب لكارولين نورتون عام 1839 إلى إصلاح قوانين التملك خطوة إلى الإمام حيث سمح للمرأة بامتلاك مواريثها في عام 1870 قي بريطانيا.

وفي أمريكا ارتبطت النسوية بمناهضة الرق ومن أبرز أبطالها اليزابيت ستانتون ( 1815- 1920) التي طالبت بإصلاح قوانين الطلاق وحق التصويت ومنع الخمور باعتبارها سبب المشاكل الأسرية الأكبر، وتعتبر ميري ولستون كرافت أول امرأة غربية تدعو للتطرف الأنثوي، وفي ألمانيا دعت للي براون ( 1866- )1916 إلى نظام السكن الجماعي وإباحة الإجهاض

يعد المفكر جون ستيورات مل ( 1806- 1817 ) من أهم المناصرين للأنثويات والمناهضين للأبوية والعبودية والزواج باعتباره مؤسسة استرقاق والحل برأيه هو المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى .

وفي منتصف القرن العشرين استطاعت الأنثوية تغيير مفاهيم الأسرة فظهرت أول منظمة أنثوية في عام 1966 على يد بيتي فريدان ( المنظمة الوطنية للمرأة ) بتأثير كتاب سيمون دي بوافر « الجنس الثاني» وشاع مصطلح «التوعية» والذي ترجمته الأنثويات العربيات إلى» التحسيس» ثم مالبثت المنظمة السابقة أن غيّرت اسمها إلى «حركة تحرير المرأة» أما أول مؤتمر أنثوي في بريطانية فظهر في عام 1970 وقد ركز على قمع المرأة وعلى ضرورة استقلالها بجسدها .

تعددت بعدها الحركات الأنثوية من انوثيات متطرفات والى أنثويات اشتراكيات وأنثويات أحرار وهذه الأخيرة عابت على الماركسية منع النساء من الإحساس بكونهن طبقة وقالت بضرورة تفكيك الأبوية والدين واللغة والفن والزي والزواج والأسرة وتطوير وسيلة للتكاثر اللاجنسي .

المؤلفة في سطور

باحثة سودانية متخصصة في الدراسات الإسلامية، تحمل دكتوراه في الأديان المقارنة من جامعة تمبل فيلادلفيا، وهي رئيسة قسم الدراسات الإسلامية من جامعة أم درمان، وعضو لجان التربية والتعليم وعضو مؤسس في اتحاد البرلمانيات المسلمات، ورئيسة لجنة تأسيس الاتحاد العام للمرأة السودانية وعضو هيئة علماء المسلمين في السودان، ومقررة المجلس العلمي للعالمات المسلمات( الاتحاد الإسلامي النسائي العالمي .

الكتاب: الأسرة في الغرب

المؤلف: د. خديجة كرار الشيخ الطيب بدر

الناشر: دار الفكر ـ دمشق 2009

الصفحات: 348 صفحة

القطع : الكبير

محمد الحمامصي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات