عائد إليك يا دمشق

عائد إليك يا دمشق

صورة

تنطلق رواية «عائد إليك يا دمشق» الأولى للكاتبة السورية نسيبة هلال من مقولات وطنية مطلية بصبغة دينية إسلامية، وإذا كانت مقولة «المكتوب من عنوانه» صحيحة نسبيا فإنها هنا تكشف عن الاصطناع والتكلف والدعاوة الوطنية.. عنوان الرواية يصلح لقصيدة منبرية أو لموضوع إنشاء مدرسي أو لبرنامج سياحي ويفضح نيات الكاتبة الوعظية التربوية.

تحاول الرواية اصطناع حكاية شاب سوري اسمه زياد تزوج والده المهاجر عدنان الصافي في كندا من سورية كندية ثم تخلى عنها وعاد إلى بلده ومات فيها. وتبدأ مع الشاب وهو يعود إلى الوطن وهو يشدو بمفردات إنشادية نقرؤها كثيرا في الجرائد الرسمية ونسمعها في برامج إذاعية صباحية مرفقة بأغاني فيروز وأم كلثوم التي يستشهد بها كثيرا ليعبر عن حنينه للوطن. ثم يحاول التعرف على إخوته: الصيدلانية سماء (الأسماء ارستقراطية ومعقمة مثل سرد الكاتبة الحافي) والمحامي هيثم والأخ الثالث رياض ويبدو أنهم من عائلة ميسورة ثم يتعرف عليهم بسهولة ويقبلون به على مضض، وتحاول الكاتبة اختلاق مشكلة إنكار بنوة، وصراع على تركة الأب إلا أن نواياها الطيبة و إيمانها الشديد بالشام وأهلها وطيبتهم يجنبانها الافتئات على شخصيات روائية مسلمة وطنية! يتعرف الشاب على جده وجدته الودودين ويسكن في بيت أبي محمود الذي يتصرف معه بملائكية قلّ نظيرها، فهما يصليان سويا صلاة الفجر، وكثيرا ما يسمع الشاب القرآن بصوته الشجي، وتمضي الصفحات علّ القارئ يقع على حبكة أو حدث يرفع من وتائر السرد أو يقدم للقارئ معرفة أو جمالا أو رؤية أو حتى تفاعلا لغويا مع الواقع أو أشباحه.

الرسالة رافعة روائية جيدة للأحداث لكنها لا تفضي إلى شيء ، فالعائلة لم تنكره ذلك الإنكار الدرامي، والتسلل أصلا يذكر بالغاز محمود سالم للفتيان الغنية بالدراما البوليسية والتشويق والمرح وهو ما تخلو منه هذه «الرواية».

ثم يستدعى الشاب إلى الأمن للتحقيق فيتوسم القارئ بأنّ شيئا ما سيحدث ثم نعرف بأنهم قد استدعوه ليعرفوا سبب سكنه عند أبي محمود الذي كان قد سجن لأسباب سياسية ذات يوم، والشاب محتار عاطفيا بين حب «سها» الدمشقية المطلقة و«عروبة» ابنة الشيوعي السجين و السورية الكندية «نادية» التي تلحق به إلى دمشق.

ثم تنتقل بالشاب الذكريات إلى كندا فيتذكر العنصرية ( قد تكون كندا اقل الدول الأوربية عنصرية لأنها مجتمع مهاجرين) فتدبج الرواية اهجية للمجتمع الغربي العنصري مقابل التغني بدمشق رغم التخلف، ثم يتعرف الشاب في إحدى صلوات الفجر على درويشٍ يترنم ببيت شعري: إلا كل شيء ما خلا الله باطل وكل شيء لا محالة زائل

ويعرف من إمام الجامع انه كان مهندسا عشق صبية حتى وصل إلى عبادة معشوقته فابتلاه الله بالجنون وتنتهي الرواية بالبيت الشعري.

تحاول هذه «الكاتبة » التي فشلت حتى في أن تكون حكاية فيلم هندي، جاهدة التناص مع روايات عالمية فتذكر برواية الخيمائي لباولو كويلو الذي يبحث عن كنز في إشارة منها إلى ان بطلها زياد يبحث عن كنز والكنز هنا دمشق طبعا!

وقد أشارت إلى «الإخوة كرامازوف» كما أن هناك رواية ثالثة تمت الإشارة إليها هي «جزيرة الكنز». وكان يمكن لتفاعل روائي مواز او مقارن أن يرفع من شأن هذه الكاتبة لولا أنها بقيت إشارات لفظية.

وقد زينت الكاتبة روايتها بآيات من القرآن الكريم كي تغدو روايتها «إسلامية» أخلاقية ملتزمة ، أو صواحب يوسف أو إخوته.. فهي رواية أنصاف ملائكة.. ودمشقها «يوتوبيا» شمعية خالية من المتعة والدراما والتحدي.

إشارة تناصية

يوشك القارئ أن يقع على شيء عندما يتسلل الشاب إلى بيت أبيه ليلا كلص، ليتفحص مكتبة أبيه فيجد رسالة إلى أخيه قد أودعها الأب الذكي في رواية الإخوة كرامازوف في إشارة تناصية من الكاتبة للإيهام بالتوازي والتشابه بين العائلتين والحالتين لكن هيهات فالفرق هائل بين شخصيات الإخوة كرامازوف المركبة وصراعهم القاتل والدامي على العائلة والثروة وبين خشية الكاتبة من إيذاء النموذج الفاضل الذي تريده للعائلة الدمشقية المحبة الفاضلة.

الكتاب: عائد اليك يا دمشق

تأليف : نسيبة هلال

الناشر : دار الفكر دمشق 2009

الصفحات : 215 صفحة

القطع: الصغير

أحمد عمر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات