بن ياقوت.. حينما تصبح القصيدة صحيفة يومية تتربص بالحياة

بن ياقوت.. حينما تصبح القصيدة صحيفة يومية تتربص بالحياة

صورة

شهدت بداية الأربعينيات بوادر نهضة تعليم على يد أساتذة ومشايخ، فكانت مدرسة الاصلاح في الشارقة ومدرسة الأحمدية في دبي والمباركية وغيرها، كلها تشيع في المكان معرفة، فيما رجالات أيضاً يتواصلون على الجانب الآخر مع فكر النخب العربية المثقفة عبر المجلات التي كانت تعبر من القاهرة مروراً بالبصرة ومن ثم الامارات في تلك السفن العابرة بين الموانئ.

«يا بوخليفه بالتوافيق مصحوب

يحفظك ربك والتوافيق بيده

غلاك مع شعبك، مع الناس محبوب

صرح المروة والشهامة رصيده»...

في بداية شهر يوليو من هذا العام كان الشاعر الشعبي ربيع بن ياقوت على موعد مع احتفالية تكريمه في مركز الشارقة للشعر الشعبي وتوقيعه على ديوانه الشعري «حصاد العمر» الذي جمعه واعده عبيد بن طروق النعيمي واصدره عن النادي الوطني للثقافة والفنون بعجمان، وبدا ربيع الشاعر عجوزا يتقوى على الحركة والبقاء، يبدو وحيدا بعد اقران شعراء شب معهم وعاش وتشظى في متاهات الغربة موازيا لهم، كتب لهم شعرا وكتبوا عليه، تناجوا وكان الشعر سجالا..ذكرهم كثيرا ربيع بن ياقوت في أشعاره وكذلك في اعترافاته للصحافة وفي أمسيات عديدة أقامها في ربوع الإمارات..

كان ربيع في ذلك الحفل الذي أحاطه فيه نخبة من الشعراء والمهتمين الذين أحبوه، وكأنه عملة نادرة من الزمن البعيد، أو فارس عائد من معركة دامت سنوات طويلة..

في السادسة عشرة في منتصف الخمسينات تقريبا، كان ربيع يندفع نحو رياض الشعر، عينه على ايقاع الحياة من حوله، يبوح على الملأ بأسرار عشقه، ويراقب بقلب الشاعر حراك الحياة من حوله.. والحظ انه لم يكن وحيدا في زمنه، بل ولد ونشأ في قرية الشعر مع اقران اشد شعرا وقوة، ولم يكن ياقوت وقتها صعبا في شعره والتقاطاته الجمالية، أو تفرساته في الحراك الذي امام عينيه، كان سهلا، يحافظ على ايقاع الاوزان الشعرية، ويحكي كمن يحكي الحكاء في اي مكان، لغة الحياة اليومية، لغة سهلة ومفردات عادية طبيعية..

..«في بشاشة وجهك الفالح

شفت كل الخير وارباحه

لي نظرتك صبح ورايح

شفت نفسي في وسط واحه»..

كان الشاعر راشد الخضر مثلا، محيرا في شيطنته وتلاعبه بدلالات المفردة العامية وفاق كثيرا من مجايليه في تفانين الشعر، كان مواريا قويا، مثلما كان مطابقا وساجعا، ولا اعتقد ان ربيع بن ياقوت قد جر على نفس القوس من الربابة نفسها، فالآخر الخضر كان «داهية» في شيطناته الشعرية، لكن بن ياقوت كان فريدا في علاجاته الشعرية أيضا حتى وان ابحر في الغزل وعزف نوال العشق، ففي سياقاته ومواضيعه، في أفكار قصائده التي لم تبتعد عن مشهد الحي والشارع، راقب ياقوت التطور.

وانقلابات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، راقب سلوك الأفراد وسلوك المجتمع، ركز كثيرا على تحويل القصيدة إلى عريضة احتجاج في الوقت الذي هي تسجل فيه تقلبات وأحداثا دراماتيكية في الجانبين الاجتماعي والاقتصادي..اليوم خير مكان تصطاد فيه تفاصيل والتقاطات مهمة من حياة المجتمع الإماراتي قبل وبعد طفرة النفط وتكوين الدولة هو شعر ربيع بن ياقوت، ليس لأنه تفرد وتصدر هذه التناولات بين مجايلية من الشعراء، ولكن لأنه جند قصيدته على الدوام لهذا الأمر، ولم يبرح برج المراقبة الشعري الذي نصبه، فيما غيره كان يغادر البرج ويعود اليه، تاركا الأمر لإيقاع الاحتياج أو المزاج، لكن ياقوت، وكأنه كان حريا به ان يكون باحثا انثربولوجيا لا شاعرا.. لكن ذلك حدث..اليوم تقلب قصائد الشاعر ربيع بن ياقوت في ديوانه حصاد العمر الأخير أو دواوينه السابقة..

..«هذا الزمن تسلط وجار

وجتنا مصايب شر ومكور

هذا المرض لي عم في الدار

بمخدرات وشرب لخمور

سهر وملاهي ولعبة قمار

وادعوا هبيل العقل معثور»..

حينما بدأ الأهالي يرسلون أولادهم وبناتهم إلى المدارس النظامية سرق بن ياقوت اشناف الناس كلها بقصيدته الشهيرة «علموها الرقص والغنا»، لأنه قالها في وقت كان فيه الشعراء منغمسين في الشعر الرومانسي، وكانوا كلهم يبدون مغرمين ومحبين وكلهم «قيس» ابن الملوح..لكنه التفت إلى فتاة الحي التي ذهبت إلى المدرسة.

وهي التي لم تبرح عريشها أو خيمتها قط، ذهبت إلى المدرسة وجاءت مختلفة، ترقص وتغني وتلعب الجمباز، ثار التابو الاجتماعي بين ضلوع ياقوت فخرج في احتجاج ساخر شعري في تلك القصيدة.. ومنها اشتهر ياقوت أكثر من أي وقت مضى، وأحيا عشرات الأمسيات الشعرية، واسمع حاضريه العشرات من القصائد، لكنهم يعودون به في نهاية تلك الاماسي إلى رائعته واحتجاجه قصيدته تلك التي يقول في مقطع منها «خرجوها البنت فنانة»..

هل كان المجتمع يبحث شعرا لاذعا، شعرا لا يقرأ الصورة المقابلة له كما تقرأها المرأة، بل تذهب معها إلى أكثر من ذلك؟ هل كانت حالة التقلبات التطويرية التي كانت تطرأ على المجتمع تحتاج إلى صوت يجادلها ويشاغبها كما فعل ياقوت؟ بالتأكيد نعم.

جميع من كتبوا حول تجربة الشاعر الإماراتي ربيع بن ياقوت وأبحروا في تقصي شعريتها، وجدية شاعرها وفنياته، لم يخرجوا من إطار جملة نقدية واضحة ولا سواها، الا وهي ان ابن ياقوت شاعر اهتم بمجتمعه ورصد تحولاته، مدح منجزاته وذم ارتباكاته..اغلب من تعرضوا لشعر ياقوت أكدوا هذا وأصروا عليه، وغفلوا أيضا ان يتصيدوا القدر الذي حافظ فيه على لهجته العامية في تعاملها مع واقعها الحديث..بن ربيع يبدو هو الأكثر اقترابا من مهمة مارسها بشعره، هو ان يكون لسان الحال في الوقت الذي لم ينس صوته الداخلي، صوته الإنساني، بوحه الخاص، عن نفسه، عن همه الشخصي جدا..

..«مات الضمير وماتت أحفاد لمجاد

ما حد على المحنة بيوقف يواسيك

ان صحت أو ما صحت من عنك نشاد

اصبر عسى ان الفرج بالصبر ياتيك

أتصيح والنجدة مشاريف بغداد

القدس راح ودنسوها أراضيك»..

سيرة حياة الشاعر ربيع بن ياقوت، هي تعبير عن حياة جيل وجد نفسه يغادر البحر ويذهب إلى اليابسة بحثا عن الرزق في حالة الكفاف، حيث كانت منطقة الخليج تتباين فيها المدنية في درجاتها الدنيا، قبل ثورة النفط، حيث كان السفر على ظهور الجمال، أو السفن الذاهبة إلى الجهات بدفع الريح.. ولد بن ياقوت في ما بين 1928 إلى 1930 في إمارة عجمان، وشب وسط أصدقاء شعراء رافقوه فيما بعد في الدرب..المرحوم حمد بوشهاب، والشاعر راشد الخضر وراشد بن صفوان وماجد النعيمي ومن ثم توسعت دائرة علاقاته ببقية شعراء الإمارات، حينما وظفت الدولة مجالس الشعراء لإحياء التراث الشعري، عبر الإذاعة والتلفزيون، وكذلك الصحافة..

نهل بن ياقوت من ثقافة البحر، الدر والمحار ومقارعة الطبيعة في ليالي الغوص والعيش لشهور في سفينة ترسوا في عرض البحر، تكونت مفرداته اللغوية واكتسب التماعاتها في الدلالات، نسج على نول إيقاع الشعر أول أبياته، أخفاها في بداياته ثم بتشجيع الأصدقاء، ولأن البيئة كانت تنز شعرا من حوله، غامر بالبوح عن أبياته الشعرية الأولى فوجد الترحيب.. وحينما بدأت الهجرة إلى مناطق العمل في بلدان الخليج العربي، بعدما ضن البحر بدرره ولالئة، كان ربيع بن ياقوت مثل بقية الجيل الذين هاجروا إلى مناطق العمل وتغربوا بعيدا عن المكان والأهل والأحباب والأصحاب.. ففي الكويت وفي أواخر الأربعينيات كتب شعرا حزينا، وتغنى بالوطن، كتب لحبيباته، ولواعج اشتياقه..كانت الغربة، وتلك الليالي التي حبسته في صمتها دافعا للنشيد..

وبعد عودة إلى الوطن من تلك الرحلة الطويلة التي قاربت العقدين فتح عينيه على تراب الأرض وهو يتهيأ للوحدة..فكان اتحاد الإمارات في قصائده موضوعا يترأس المواضيع والاهتمامات..كتب كثيرا في شعر المديح والوطنيات، تغنى بقيادات الدولة، وبطيب ناسها وكرمهم، وواكب التطورات الاجتماعية شعرا.. لقد وجد بن ياقوت بعد قصائد غربته، قصائد جديدة متفائلة في كثير منها، وناقدة ولاذعة في بعضها..

..«فتنة زمانه من شراته

بو مبسم يزهى بدانات

جيون ومن طلع هيراته

ومن تربه ان الشيف بالذات

عايش مدلل في حياته

خود ويبرله خوندات»..

لقد حمل الشعر الشعبي الإماراتي كنوز اللهجة المحلية الإماراتية، وسوف يبقى الشعر الشعبي الإماراتي دائما هو ديوان المحلية، بعد التبدلات والتحولات التي طرأت على اللهجة في العقود الأخيرة، نتيجة الطفرة الاجتماعية والتعددية السكانية، ودخول المحلية في وحل التشويه، وضيق نطاق الاستعمال، وجماليات اللهجة المحلية وجدت التماعاتها شعرا أكثر من أي محتوى آخر، كالمسرح والدراما، حيث تأتي الأغنية الإماراتية كثاني حامل لها في الوقت الراهن.. ففي ظل وجود أكثر من 180 هوية ولهجة تجتاح الحياة اليومية في الشارع الإماراتي تبقى المحلية الدارجة والأصيلة في عرف المغيب أو الغائب، الا في الشعر الشعبي وقصائد النبط..والشاعر ربيع بن ياقوت واحد ممن حفظوا جمال المفردة المحلية في شعرهم، مثل سواه من الشعراء، وبالرغم من البطولة في قصيدة بن ياقوت هي الموضوعة الأساسية، سواء في المديح أو الوطنيات أو الغزل الا انه لم يغفل اقتناص درر المحلية، كأسلوبية في شعره..

لهذا يعد الشاعر ربيع بن ياقوت واحدا ممن يصارعون تيار غياب المحلية على واقع الحياة عبر ما تركه من قصائد وشعر..

ممثل ومعلم فلكلور شعبي

الشاعر ربيع بن ياقوت مثل على خشبة المسرح برفقة الراحلين الشاعرين حمد بوشهاب صديق عمره، وسلطان الشاعر، ثم اندمج في العمل التطوعي عبر جمعية الفنون الشعبية بعجمان وهناك وجد نفسه امام مهمة جديدة تفرضها احتياجات نقل ارث جيل إلى جيل، فالفنون الشعبية بأهازيجها وثقافتها بدأت تودع روادها الأول، بحكم السن والكهولة، وصار لزاما ان يتعلم الأبناء فنون آباءهم..بن ياقوت كان وحدا ممن أسهموا في هذا الشأن أثناء عمله التطوعي في جمعية الفنون الشعبية تلك..ثم ترأسها وأدارها وانشغل بهموم التراث..

في مجلس الشعراء التلفزيوني

في السبعينيات كان تلفزيون دبي يبث برنامجا من تقديم الشاعر الراحل حمد بوشهاب وكان يقوم على استضافة الشعراء الشعبيين كل أسبوع ليقدموا قصائدهم الجديدة، كان لهذا البرنامج شعبية كبيرة لدى المشاهدين في الإمارات، حيث يبدو الشعراء وكأنهم في مباراة شعرية تلفزيونية.. والشاعر ربيع بن ياقوت، استطاع ان يكون له جموع من المعجبين والمحبين لشعره بأسلوبه الشعري الذي حوله إلى صحيفة الناس اليومية، ومرآة حياتهم المدنية الجديدة..

اشتياق

مشتاق انا للبحر مشتاق للسيفه

مشتاق انا للبحر انظر عواصيفه

خليتنا يا بحر ما تذكر أحبابك

جرح الهوى في الحشا صعبه تكاليفه

جرح الهوى ما برى وجروحه مخيفه

نشوة عمر وانقضت نلعب على ترابك

نشوة عمر وانقضت وحلم وقضى طيفه

مشتاق انا للبحر مشتاق للسيفه.

جملة واضحة

جميع من كتبوا حول تجربة الشاعر الإماراتي ربيع بن ياقوت وأبحروا في تقصي شعريتها، وجدية شاعرها وفنياته، لم يخرجوا من إطار جملة نقدية واضحة ولا سواها، الا وهي ان ابن ياقوت شاعر اهتم بمجتمعه ورصد تحولاته، مدح منجزاته وذم ارتباكاته..اغلب من تعرضوا لشعر ياقوت أكدوا هذا وأصروا عليه.

مرعي الحليان

تعليقات

تعليقات