جميرا... «بندقية» العرب وقصيدة الماء الخالدة

جميرا... «بندقية» العرب وقصيدة الماء الخالدة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

جميرا مدينة ماء.. وفينيسيا الشرق الأوسط كله بلا منازع.. بندقية العرب الجميلة التي انتزعت فرادتها بتشكيلات مائية فائقة الدقة والروعة، واحة خضراء من تراث وأقنية وبحيرات ومياه وأزقة غاطسة في اخضرار متدفق جذاب.

واذا كانت فينيسيا الإيطالية المدينة الأكثر رومانسية في العالم كما يقال؛ فإن جميرا جمرة الرومانسية الغارقة في المياه الخضراء وايقونة العشاق الحالمين بأجواء فريدة ولغة الحب التي تعجز القصيدة عن القول فيها.لن نأتي بجديد إذا قلنا إن دبي استبقت عصرها عمرانياً، فهذا من قبيل المألوف في كل مشاريعها العمرانية والبنائية من أبراج وفنادق وبيوت وقلاع وتصميمات باهرة لأحدث الطرز المعمارية، بما يشي بثقافة تلتصق بحضارة إنسانية كبيرة تنهل منها وتستفيد من إمكاناتها التكنولوجية والهندسية والمعرفية الشاملة. ولكن ليس على حساب ما هو محلي وتاريخي وتراثي، فظل هذا الأخير البوصلة المركزية في حركة البناء اليومي بما يمثل ثقافة المدينة وصلتها بالتاريخ والحضارة والتراث. وهو أمر حرصت عليه حكومة دبي في هذا التماثل المنطلق إلى تخوم الحداثة في أقصى مدياتها الهندسية والعمرانية والثقافية.

واحة جميرا

جميرا مدينة ماء.. وفينيسيا الشرق الأوسط كله بلا منازع.. بندقية العرب الجميلة التي انتزعت فرادتها بتشكيلات مائية فائقة الدقة والروعة، واحة خضراء من تراث وبحيرات ومياه وأزقة غاطسة في اخضرار متدفق جذاب. وإذا كانت فينيسيا الإيطالية المدينة الأكثر رومانسية في العالم .

كما يقال؛ فإن جميرا جمرة الرومانسية الغارقة في المياه الخضراء وايقونة العشاق الحالمين بأجواء فريدة ولغة الحب التي تعجز القصيدة عن القول فيها.. رومانسية مثالية خليجية تقع في قلب الصحراء وقلب البحر معاً، لتشكل ثنائية عاشقة في أبجدية الحب الكبير وتنمو على ضفة الخليج العربي ببهاء المدن المحتفلة على مدار حياتها.

ارتكزت مدينة جميرا على ثقافة مائية أخذت لونها من خضرة المياه وخضرة الشجر وخضرة الحياة الرافلة بكل ما هو جدير بالبقاء تحت توصيف ايقونة البناء في أبجديته المعرفية الجديدة.

وجميرا استخلصت الأبجدية المعرفية في أرقى تجلياتها المعمارية والنفسية بثقافة مزدوجة محلية يمثلها ماء البحر والصحراء المتاخمة لخصرها الجميل، وعالمية يمثلها البناء الفينيسي كحي سكني وسط المياه الصافية؛ هذا الحي الجميل المتكاتف تحت وحدة معمارية منسجمة هو حي إماراتي قديم ببنائه وبراجيله وجدرانه ومداخله. واذا كان الحي القديم الماثل حتى الآن في البستكية والشندغة يتاخم الخور، فإن حي جميرا الحداثي بأوصافه المتميزة هو ذاته الحي القديم.

ولكن هذه المرة وسط المياه التي تحيطه من الجوانب كلها، منسجماً جمالياً مع مدينة فينيسيا الإيطالية الشهيرة التي تعوم في المياه ولكن بآخر مستجدات الحداثة المعمارية وتقنياتها الاستثنائية. فـ «جميرا» الإيطالية لها صفة القِدَم والأصالة والطراز المعماري الخاص وجميرا الإماراتية لها صفة الحداثة منبعثة من الأصالة بطرازٍ معماري خاص وفرته تقنيات الهندسة وتكنولوجيا البناء الحديثة.

حداثة البندقية وحداثة جميرا

صممت جميرا الحديثة كمدينة مائية ومنتجع مائي تتوفر فيه إمكانيات الحياة على نحو غير تقليدي، تماماً كالبندقية الإيطالية التي تتكون من عدة جزر تربطها جسور خشبية لتطل على البحر الادرياتيكي، وجميرا الإماراتية تطل على الخليج العربي بقنوات تتصل ببعضها في ممرات مائية وجسور مقوسة ومتكررة هنا وهناك.

وتعد البندقية من أهم المدن الايطالية ومن أكثر المدن جمالا في إيطاليا لما تتمتع به من وجود مبان تاريخية يعود أغلبها إلى عصر النهضة في إيطاليا وقنواتها المائية المتعددة ما يجعلها فريدة من نوعها على مستوى العالم. وهذا الأمر ينطبق على جميرا دبي إلى حد كبير، فالمباني وإن اكتسبت صفة الحداثة إلا أنها مبان تراثية الطابع تحيل إلى ثقافة عصرها المتصل بالحاضر وهو يتناغم مع معطيات بنائية أكثر تعقيداً وجمالية.

وما بين المدينتين تاريخان أحدهما يرجع إلى عصر النهضة وتمثله البندقية الإيطالية لنجد التقنيات المعمارية كبيرة ومعقدة أضفت على المدينة إعجازاً لا يزال قِبلة السياح والفنيين والآخر وُلد في القرن الحادي والعشرين حيث ولدت جميرا الإماراتية بإعجازها الجمالي عندما استقدمت قنواتها من بيئتها ووظفت عناصرها المحلية باستقدام وسائل الآخر، لتشكل بنية جمالية لها قيمة معنوية واعتبارية، لما تضفيه من رومانسية وشفافية على المكان وهو يضج بالحياة والمياه.

هذان التاريخان شاهدان على تكون المدينتين وإن كان الفارق كبيراً لأسباب تكونهما ونشوئهما، غير أنهما دخلا التاريخ الاجتماعي والسياحي من أوسع أبوابه، فالبندقية مدينة معمرة في التاريخ بخمسة قرون تقريباً وجميرا لا تزل مدينة فتية ستكتسب بقاءها من قيمتها الجمالية بوجودها بين الأقنية المائية التي تدور فيها وحولها.

ومن المؤكد أنه وبتقادم التاريخ ستضاف اليها لمسات أخرى بما يجعلها ثرية بمقامها المحلي وعالميتها كمدينة صناعية عائمة على بحر من الماء، ويبدو مشهد المدينة الآن بما يثير الدهشة بوجود سياح ووافدين من مختلف المدن الغربية والآسيوية يشكلون عصب السياحة الأول فيها وينصرفون لتأمل فرادة جميرا بشقيها المحلي والعالمي. فالمدن تصنع التواريخ والتواريخ تؤرشف المدن ذات البقاء الطويل في خريطة الحياة وجميرا من هذا النوع الباقي على قيد الحياة والتاريخ..

جناديل وقوارب

على ضفاف جميرا المائية تنتشر المطاعم بتشكيلات تنتمي إلى جنسيات مختلفة واغلبها يشرف على الأقنية المائية بإطلالات جاذبة في مواجهة بحرية تضفي على المكان شروطاً نفسية غاية في النقاهة، وهي أمكنة مثالية للأسر في عطلاتها الأسبوعية .

وقد تكون محطة عشاق هي ليست عابرة في الأحوال كلها، إذ أنها توثق الكثير من لحظات الاحتدام العاطفي باحتفالية المياه الخالدة، وفي هذه المدينة تكون وسيلة التنقل هي القوارب ذات المحركات الصغيرة التي تنتشر في خور دبي وما نسميها «العَبْرَة»؛ وهي قوارب مثالية للتنقل الاستطلاعي في الأقنية العميقة، مثل البندقية التي يتنقل سكانها بقوارب «الجناديل» الطويلة وتغطس أسواقها على القوارب الطافية على الماء .

وهي مقصد السياح الأجانب والعرب كما هو الحال في جميرا دبي التي تكتظ على مدار العام بالسياح والوافدين العرب والأجانب، لما فيها من أجواء محرّضة على الرومانسية والشفافية حيث يختلط القديم بالحديث في أرقى تعاشق ملحمي يوفر المتعة ويخفف من ضغط العمل اليومي وينمّي الشعور النفسي بأن الماء هو أصل الحياة.

ولا شك أن العودة إلى بدائية القوارب بمعناها الرمزي هو عودة إلى جذور أصيلة يوم كان الإنسان يصنع قواربه البدائية من الخشب والقصب ويمخر بها البحار بحثاً عن بضاعة أو تجارة أو مدن أخرى، وهذه القوارب التي ارتبطت بالمياه نوع تحريضي على العودة إلى جماليات أولى نسيها الإنسان في خضم الحياة التي تتعقد بآلاتها وعلومها وطموحاتها التعجيزية التي تفوق خيال البشر. فالقوارب البدائية هنا تآلف مع البدائية الأولى والحياة الأولى المندثرة تحت وابل من صور الحياة الجديدة.

السوق الشعبية

مدينة جميرا عبارة عن مشروع فندقي متكامل يقع على شاطئ جميرا يجاور برج العرب العملاق بفخامته الأسطورية، متميزاً بطابعه المعماري التراثي العربي، لاسيما السوق المصممة بأزقة ضيقة تتداخل فيما بينها وتكاد تتقارب بديكوراتها وسقوفها الخشبية وأبوابها الكبيرة، وكلها مبنية على أساس حارة قديمة تستفيد من هذا التقارب لحجب ضوء الشمس واكتساب المزيد من الظلال، فالمنطقة بعمومها حارة والحارات الإماراتية القديمة تتكاتف متقاربة بأزقة ضيقة تفادياً لضوء الشمس الساخن. وقد عمد المهندسون على إبراز عناصر التصميم القديمة كملاقف الهواء والزخرفة .

وتداخل الخشب والقصب مع الطين وهي المواد الأولية لإقامة بيوت دبي القديمة؛ وهذه السوق الشعبية القادمة من التراث المحلي ذات الـ 75 محلاً هي المدخل للأقنية المائية حيث تتكون المنطقة من المياه وتنتشر المطاعم ويستدق عليها فندقان فخمان هما ميناء السلام والقصر ودار المصيف، فالأول نموذج لجمال الشكل المصمم على الطراز العربي ببعده التاريخي، أما فندق القصر فهو الآخر لا يقل فخامة عن الفندق الأول بخصوصيته وشخصيته المعمارية وحدائقه الكثيفة.

وبوجود 45 مطعماً آسيوياً وغربياً وعربياً مصممة بديكورات فائقة الجمال، وبوجود مسارح ومسابح ومنافذ صحية وطبية تتكامل المدينة بخدماتها اليومية، لتكتسب مدينة جميرا فاعليتها الجمالية وتتثاقف مع العالم المتحضر باستيعابها لآخر حداثته المعمارية ولكن برؤية أكثر محلية منطلقة من عمق تراثي وحضاري خاص بها..

هذه السوق القديمة بتصميمها كحارة إماراتية قديمة أمْلتْ على مصمميها ومهندسيها شكل البيوت القديمة ببراجيلها المعروفة و«لبخ» حيطانها بالجص الأبيض والأحمر حتى بدت وكأنها فعلاً حارة قديمة اندست في جميرا وتقلدت بحضورها منصباً شرفياً في منتصف فنادق عملاقة واقنية مائية دفاقة في بندقية جميرا التي وصلت إلى أفق الحداثة من منظور معماري جمالي حاذق.وكان التشكيل المحلي هو الذي جعلها بهذا الأفق الجميل...

البندقية تاريخ وجمال

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية هاجمت جيوش البربر القادمة من شمال أوروبا المدن في المنطقة، فلجأ الكثير من السكان إلى جزر حوض الأدرياتيك. هكذا نشأت البندقية أو مدينة الجزر عام 450 ميلادية. وسماها الناس مدينة الجزر لأنها تقوم على عدد كبير من الجزر الصغيرة وعددها 118 ونتيجة لدراية أهلها وحكامها بفنون الدبلوماسية والحرب فقد فرضت نفوذها على كامل الضفة الغربية لبحر الأدرياتيك في وقت قصير وفي عام 1201 ونتيجة للمساهمة الفعالة للمدينة في الاستيلاء على القسطنطينية أخذت المدينة حصة كبيرة من الغنائم البيزنطينية وأصبحت من أقوى الجمهوريات آنذاك خصوصاً بعد أن هزمت دوق ميلانو وكانت بسفنها تسيطر على معظم البحر الأبيض المتوسط .

ولكن بعد ذلك بدأ انحدارها حتى فقدت استقلالها واستطاع نابليون احتلالها وإعطاءها للنمسا عام 1797 ولم تعد إلا عام 1866 لتشكل جزءاً من المملكة الإيطالية الناشئة، والمدينة بمجملها مدينة فريدة من نوعها وهي جوهرة فريدة من نوعها يقصدها السياح من كل أنحاء العالم للتمتع بالمشي فيها في جو رومانسي بين الآثار المعمارية الرائعة والقوارب التقليدية التي تجوب قنواتها.

ومن معالمها الهامة التي لا بد من زيارتها كنيسة القديس ماركو بقببها الخمس الشرقية الطابع وبرجها الذي يبلغ ارتفاعه 100 متر وهناك العشرات من الجسور تصل المدينة ببعضها وأشهرها جسر ريالتو وجسر الآهات القديم وهناك العديد من القصور الجميلة التي تستحق الزيارة ومنها قصر غراسي وقصر غريماني وعلى مدار العام هناك معارض فنية عالمية ويقام فيها معرض البندقية العالمي للسينما سنوياً ومن الجزر المهمة في المدينة جزيرة مورانو التي تشتهر بصناعة الزجاج الفني الفاخر.

التشكيل المحلي

اندست في جميرا وتقلدت بحضورها منصباً شرفياً في منتصف فنادق عملاقة واقنية مائية دفاقة في بندقية جميرا التي وصلت إلى أفق الحداثة من منظور معماري جمالي حاذق. وكان التشكيل المحلي هو الذي جعلها بهذا الأفق الجميل.

وارد بدر السالم

طباعة Email