فن

صناعة الخزف والفخار تحافظ على مهنة الإنسان الأول في المغرب

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

ليس مبالغة القول إن التاريخ الذي نتباهى به في كل مكان بما فيه «ما قبل الجلي» يتم استنطاقه وفك ألغازه من الخزف والفخار الذي يتم اكتشافه بين الحين والآخر في بلادنا الشاسعة لأن الخزف من أكثر المواد المعمرة وأشدها مقاومة لعوامل الزمن.

مهنة صناعة الخزف والفخار التي تعتبر مهنة الإنسان الأول التي استعملها في مأكله ومشربه، بقيت صامدة على مدى العصور المنصرمة وانتصرت على عاديات الزمن المتحول والمتبدل، انها مهنة لا تشيخ رغم تراجعها في بعض الاماكن ولكنها لاتزال كما اثبت العلم مؤخرا انها الأسلم والأفضل على صحة الإنسان ولا تساهم في تلويث البيئة، لهذا فإن «سلالة الخزافين» تقاوم الانقراض وتتعايش مع الحداثة بعدما خاضت في وجهها معركة شرسة تعادل معركة الوجود. إن صناعة الخزف التي انتقلت من بلاد المشرق في بواكيرها الأولى استطاعت ان تواجه طغيان عصر الحداثة واكتشافاته المذهلة، وان تبقى حاجة ضرورية لمعظم الأسر والمنازل ومهمة للاستعمال اليومي كما هي للزينة حيث تحتل مرتبة متقدمة في المطبخ المغربي وفي غيره من المجتمعات الأخرى التي أدركت أهميته.

إذا كان العلم يبشرنا بتراجع مصادر الطاقة وانحسارها فإن الأمل معقود على ازدهار عصر صناعة الخزف والفخار من جديد لكي يكون «حبل خلاص» ليوميات الإنسان الذي استهلكته حضارة «كبس الأزرار».

إن مهنة صناعة الخزف ببساطة هي ضد الانقراض هذا ما يثبته أهل المغرب حيث يعمل فيها أكثر من مليون إنسان على الأقل ولأنها أيضا صنو للإنسان، فهي جزء من حاجياته مهما ابتعد عنها فهو عائد إليها او عائدة ايه بحكم الحاجة وبحكم المنطق. عرفت صناعة الخزفيات قيمتها الجمالية بفضل المغاربة الذين أكسبوها شهرة عالمية. وتتميز الأعمال الخزفية المغربية وأساليبها الغنية المتنوعة بإضافات حقيقية وعلامات بارزة تؤكد تطور هذا الفن وارتباطه الوثيق بخصائص المغرب وتراثه الحضاري.

مدرسة خزفية

رغم وفرة الأبحاث التي رصدت نشأة فن الخزف العربي، ظل الغموض يلف جوانب أساسية من هذه الصناعة، ففي حين اعتبرت بعض الدراسات أن فن الخزف هو فن قديم عرفته الحضارات الأولى كحضارية وادي الرافدين، والحضارة الفرعونية، والفارسية، والصينية، تشير دراسات أخرى إلى أن تاريخ الخزف لم يدون بعد.

غير أن ذلك لا ينفي القول إن النماذج الجيدة التي تم استخراجها من باطن الأرض أثبتت انتشار الخزفيات بشكل واسع في العراق والشام وأرض الجزيرة ومصر في القرن التاسع الميلادي، ونمت هذه الخزفيات وتطورت بشكل يعكس فهم المبدع العربي للأصول الزخرفية وفنونها.

ويبدو جليا أن الخزافين العرب نجحوا في استخدام اللون الأزرق في فن الخزف وابتكروا صيغاً وأفكارا جديدة منها، الخزف ذو البريق المعدني الذي ظهر للمرة الأولى في بغداد، والخزف المذهب والخزف المنقوش. غير أن المغاربة انفردوا في تأسيس مدرسة خزفية مميزة تم إنشاؤها وفق تقاليد خاصة ونظام دقيق، علماً بأن هذا الفن وصل إليهم من المشرق والأندلس متأخراً بعض الوقت. وتعود أقدم القطع الفخارية والخزفية المغربية إلى القرن الثالث عشر الميلادي، إذ بلغ فن الخزف مستوى راقياً في عهد المرينيين.

وتحمل الاكتشافات الحديثة معلومات تاريخية مهمة عن الفخار والخزف المغربي. ففي عام 1930 عثر في منطقة شالة الأثرية على نقش خزفي نادر أعيد جمعه. كما عثر عام 1917 في تازة شمال فاس على أفران تعود إلى عصور مختلفة، نحت بعضها في الصخر وغطي بقبة متقنة البناء.

كما اشتهرت فاس بامتلاكها أطباقاً من الخزف ذي البريق المعدني، بينها صحن أندلسي ـ مغربي، وهي المجموعة التي شكلت نواة متحف الوادية في الرباط عند إنشائه عام 1915، وتميز خزف شالة بالزخارف النباتية، والمضلعة، والكتابية، التي تعكس آثار فاس المرينية.

وتشير الاكتشافات إلى أن الأساليب المتعمدة في الزخرفة في الزخرفة هي الحفر والكشط المائل، كما درج أسلوب إضافة المادة أو إزالتها باليد أو بآلة وأحيانا بالضغط بواسطة الختم. أما في الفخار المموه فقط كان يتسخدم أسلوب «الحبل اليابس» وهو إقامة حواجز في أماكن غير «مزججة» تعطي شكلا مشابها لتأثير الرصاص في الزجاج.

روح النار

لا يزال الطين الذي صنع منه «الإنسان الأول» حاجياته الضرورية يشكل المادة الأولية في فن الخزف نظراً لقدرته على تحمل النار، وخصوصا أن الفنون الخزفية «الآجر ـ الفخار ـ الزليج ـ التزجيج..» ترتكز بشكل أساسي على النار. وغالباً ما تستخرج عجينة الطين من الأرض المحلية بعد إزالة طبقة الحجارة العليا لاستخدامها في أغراض البناء.

ويجمع التراب من أسفل طبقة الحجارة على عمق ثلاثة أو أربعة أمتار، ثم ينقل إلى المعمل، وينشر تحت الشمس، قبل أن يدق وينقل إلى جابية «صهريج» أخرى حيث يخلط بالماء، ويوضع الخليط في غربال وينقل منه إلى جابية أخرى قبل أن يصفى منه الماء، ويترك لينشف مدة ثلاثة أيام ثم يعجن بعدها بواسطة الأقدام وينقى من الشوائب على أن يتم تدليكه في مرحلة أخيرة.

تصنع جميع المنتجات في معامل الخزف المغربي باليد على أن تتم الزخرفة على العجينة وفق الأشكال المطلوبة ثم توضع في الفرن. ويقتضي تلوينها باللون الأخضر مثلاً، خلط محلول الرصاص «الخفيف» مع محلول النحاس وإضافة قليل من مسحوق الزجاج وقليل من التراب.

ذلك أن النحاس يُعطي اللون المطلوب في حين يساعد الرصاص في الحصول على طلاء ناعم. ويحول استخدام التراب والزجاج دون تشكل دموع في أسفل القطعة المصنوعة، ولتثبيت الطلاء تغمس القطعة في الخليط ثم توضع في الفرن ثانية.

ويستخدم الحرفيون الذين يطلق عليهم اسم «الطيانة» الأدوات عينها التي ورثوها أباً عن جد. فهناك اللولب أو «التورني» الذي يتحرك وفق أسلوب دائري لتشكيل قطع العجين. أما «القردة» فهي اللوح الحجري الذي توضع فوقه قطعة العجين استعداداً لصقلها بواسطة قطعة حديدية صغيرة تعرف باسم «المسادة» وتستخدم «الجلدة» في تلييس السطوح، ويُسوى القاع بواسطة «المسن».

وإذا كانت مدينة سلا المجاورة للرباط اشتهرت تاريخياً بصناعة الفخار وقطع الخزف الخاصة بالمائدة والحدائق وحاجات البيت الأخرى، إلا أن فاس وأسفي تتفوقان عليها في الجانب الفني.

ونجحت أسفي، المدينة الساحلية التي تبعد 350 كلم عن الرباط استطاعت أن تسرق الأضواء من فاس، وخصوصاً أنها استفادت من مساهمات الأندلسيين الذين قدموا إليها بعد سقوط غرناطة في تطوير فنونها الخزفية، واستحقت عن جدارة لقب مدينة الخزف المغربي الذي اقترن اسمه باسم هذه المدينة. وجاءت نقطة التحول في خزف اسفي مع صناعة «القرميد» واستعمال مواد للتلميع تمنح القطع المنتجة شفافية زجاج الكريستال ونقائه.

وتشكل «الأكاسيد» السحر الذي يمنح للقطعة لمعاناً خاصاً، وذلك بفضل قدرته على كسر أشعة الضوء. ويدخل «أكسيد» الرصاص في صناعة «الكريستال» والخزف وذلك بغية الحصول على لمعان أصفر اللون، في حين يعطي «أكسيد» النحاس لمعاناً أخضر اللون إذا أضيف إلى أكسيد الرمل وروح «التوتيا».

وتميزت منتجات أسفي بالإتقان والتصاميم الجديدة المبتكرة. كما وظفت العائلات التي تعمل في هذه الصناعة منذ أجيال طويلة مهاراتها وخبراتها المتوارثة وحسها التشكيلي المرهف. وساعد طين أسفي الذي يحتوي على أكسيد الحديد بكميات كبيرة في منح هذا المنتج ألواناً متنوعة ومميزة. فكانت تلك خصوصية جديدة تضاف إلى أسفي التي ارتبط خزفها بأساطير وخرافات تتحدث عن قدرات سحرية، فيها ومنها على سبيل المثال اليد التي ترمز إلى الرقم خمسة والتي يقال إنها تقي من العين.

إن معظم الحرف اليدوية في الوطن العربي والعالم تخوض في الواقع صراعاً مريراً للحفاظ على بقائها. ولذا، اختارت منظمة اليونسكو عقد التسعينات لتطوير الفنون التقليدية.

ففي المغرب، حظي موضوع الحفاظ على الفنون والحرف التقليدية وتطويرها باهتمام كبير. فأنشئت مراكز التكوين المهني التي تركز على أهمية المنتجات اليدوية، وتهتم باتخاذ التدابير الهادفة إلى رفع مستواها وحمايتها من المنافسة غير العادلة للمواد المنجزة صناعياً، ذلك أن الفنون اليدوية والصناعة التقليدية في المغرب تشكل قوة اقتصادية حية تلي القطاع الزراعي. إذ يعمل في خدمتها نحو 850 ألف حرفي بينهم 53 ألفاً في مدينة فاس وحدها.

ويرتفع العدد إلى مليون شخص، إذا أضيف إليه الحرفيون في القرى، أو الذين يمارسون المهنة في البيوت. ويحتل قطاع الخزف المرتبة الثالثة في صادرات المغرب التقليدية بعد السجاد والملابس المحلية.

وتعد فاس، وأسفي، ومكناس، ودمنات، ورزازات والناظور، وتطوان، ومراكش أهم مراكز إنتاج الخزف في المغرب، حيث يوجد 1004 معامل للخزف يعمل فيها نحو 15 ألف حرفي.

غير أن جوهر أزمة الفنون التقليدية ليس اقتصادياً فحسب، بل هناك التأرجح بين التقليد والتحديث وبين الحنين إلى الماضي والحماس إلى الحداثة والتطور. وهنا تكمن المشكلة الرئيسية التي يواجهها الفنان التقليدي في المغرب، إذ كيف يمكنه الجمع بين هذه التيارات المتناقضة من دون أن يفقده ذلك هويته وجذوره وانتماءه الأصيل.

رضا الأعرجي

طباعة Email