امبراطورية صورة خرجت عن السيطرة

ألبرتو كوردا وثّق وجه جيفارا في لقطة تاريخية

صورة

هذه المرة جاءت بالألوان وذلك على خلاف الأصل الذي ظهرت فيه لأول مرة باللونين الأبيض والأسود، حيث تتباين سمات وجه صاحب أشهر صورة في تاريخ الإنسانية. الصورة الجديدة أبدعها فنان ايرلندي يدعى جيم فيتزباتريك، وفي نهاية المطاف قام أحد الرسامين باقتباس الصورة التي أبدعها فيتزباتريك كما قلد أسلوب لوحة مارلين مونرو الشهيرة التي أبدعها أندي ويرهول على شكل ملصق إعلاني لأغراض تجارية بحتة.

صورة تشي جيفارا الأصلية التي ألتقطها المصور ألبرتو كوردا على وجه التحديد في 5 مارس 1960، عندما كان عمر جيفارا 31 عاما، وذلك أثناء مراسم دفن ضحايا السفينة الفرنسية « لو كوبري»، لكن تلك الصورة لم تجد طريقها إلى عالم النشر إلا بعد مضي سبع سنوات على التقاطها. ولقد أطلق عليها معهد الفنون في ولاية ميريلاند الأميركية اسم «صورة كوردا» واعتبرتها أبرز وسائل الإعلام العالمية «أشهر صورة في العالم في القرن العشرين» . هذه الصورة أخذت تشق طريقها إلى خارج حدود الجزيرة الكاريبية بعد سبع سنوات على موت جيفارا في أدغال بوليفيا، وذلك عندما حصل ناشر إيطالي يدعى جيانجياكومو فلترنيلي على حقوق النشر بغية نشرها في كتاب « يوميات تشي في بوليفيا»، وقام بطباعة الصورة على ملصق كبير. وكان فلترنيلي قد حصل من كوردا على عدد من صور تشي جيفارا قبل موته بعدة أشهر، ولقد تم استخدام تلك الصور لطباعة كمية كبيرة من الملصقات في أكتوبر 1967.

بيد أن الصورة الأكثر شهرة لتشي جيفارا هي، بلا شك، تلك الصورة المشغولة اعتمادا على التباين الحاد في الألوان والمقتبسة من صورة كوردا نفسه. وتم انجاز هذا التصميم عام 1968 وهو يقوم على أشكال مغايرة، بعضها باللونين الأبيض والأسود والبعض الآخر باللونين الأحمر والأسود وجميعها مشغولة بريشة الفنان الايرلندي جيم فيتزباتريك، المعروف برسوماته الميثولوجية الايرلندية. وكان فيتزباتريك قد تلقى نسخة من صورة كوردا من جماعة فوضوية ألمانية في عام 1965. وتقول بعض المصادر أن مصدر هذه الصور كان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. صحيح أن النسخة المعدلة من الصورة كان قد أعيد إنتاجها ونشرها على نطاق واسع في الكثير من وسائل إعلام حول العالم، لكن كوردا لم يطالب قط بالحقوق الفكرية للمؤلف وذلك يعود إلى كونه كان يقاسم جيفارا الأفكار التقدمية نفسها.

بيد أن كوردا طالب ذات مرة بحقوقه تلك من أجل الحيلولة دون استخدام الصورة في إعلان لمشروب كحولي، فلقد كان كوردا تقدميا عن قناعة راسخة ولم يسمح بالمتاجرة بالصورة، إذ قال للصحافيين في تلك اللحظة: « كمدافع عن المثاليات التي مات جيفارا في سبيلها.

لا أمانع أن تستغل الصورة من قبل أولئك الذين يودون إحياء ذكرى جيفارا والقضايا العادلة التي دافع عنها في جميع أنحاء العالم، لكني أعارض بقوة استغلال صورة تشي للترويج لسلعة مثل المشروبات الكحولية أو لأي غرض آخر قد يحط من سمعة جيفارا».

تصميمات الغرافيك التي اشتغلها فيتزباتريك استخدمت في لوحة لأندي ويرهول اعتمادا على الأسلوب الغرافيكي ذاته الذي كان قد وظفه في عدد من صور مارلين مونرو. بيد أن هذه الصورة هي في واقع الأمر عملية تزييف قام بها جيرارد مالانغا،عندما علم ويرهول بعملية الغش، بشكل متقن ومطابق للأصل مثلما قام بالمصادقة على الصورة وبذلك وضع في جيبه جميع حقوق استخدامها.

ومنذ ذلك الحين راحت الصورة تظهر على عدد لا يحصى من الملصقات والقمصان والأكواب واللوحات وتحولت إلى أيقونة لأجيال جديدة من الشبان الذين يؤمنون في ثقافة بديلة، كما أن هذه الصورة أصبحت تستخدم في يومنا هذا كنموذج معياري ثابت لشتى المجموعات المناهضة للعولمة والحروب.

لكن العمل الأكثر شمولية حول هذه الشأن الخاص بصورة الثائر الأرجنتيني هو عمل قامت به الناقدة الإنجليزية تريشا زيف وتجسد في مشروع تحت عنوان «تشي.. سوق وثورة» جمعت فيه نحو 300 قطعة موقعة ومن دون توقيع تعيد تأكيد أو تشوه الصورة الأصلية الملتقطة من قبل المصور الكوبي ألبرتو كوردا في هافانا عام 1960، الذي يعود الفضل له في المقام الأول في ولادة أشهر صورة في القرن الماضي من السهولة بمكان رؤيتها على الملابس والجدران وعلى صدور نجوم الموسيقى وحتى شركات المرطبات والتبغ.

ولقد أكدت زيف وهي القيمة على معرض صور جيفارا أيضا أنه ليس هناك «صورة تضاهي هذه الصورة، فلقد بات جيفارا علامة تجارية تعني التغير، وباتت تلك الصورة رمزا ضد الحرب والعولمة وصديقة للبيئة. وتضيف: تلك الصورة منتشرة في كل مكان بدءا من الجدران في الأراضي الفلسطينية المحتلة وصولا إلى أفخم المتاجر الفرنسية، إنها صورة قد خرجت عن السيطرة وباتت مؤسسة لا بل إمبراطورية قائمة بحد ذاتها.

أما فيتزباتريك فإنه يذهب إلى حد القول: إن الطريقة التي قتلوه بها وعدم وجود أي أثر يدل على مكان دفنه أو نصب يخلد ذكراه، كل ذلك دفعني إلى إنتاج شيء يحظى بأوسع رقعة ممكنة من الانتشار ويجعل صورته خالدة لا تموت واسمه كذلك».

لا بل يمكن القول إن الإجماع حول العالم يفيد بأن طريقة إعدام جيفارا جعلته خالدا في ضمير الناس عموما والأجيال الشابة المتعاقبة على وجه الخصوص، وترى تريشا زيف أن عملية قتله كانت بمثابة بداية الأسطورة الخاصة بصورته مؤكدة أن « مولد صورته بدأ مع مقتله في أكتوبر 1967» مضيفة أن جيفارا كان شخصا وسيما وفتيا والأهم من كل ذلك أنه مات في سبيل مبادئه مما جعله رمزا عالميا».

كما أن الأقدار شاءت أن تأخذ هذه الصورة أبعادا أسطورية أخرى خاصة بعد موت صاحبها وذلك لجهة الطريقة التي خرجت بها الصورة من جزيرة كوبا وذلك عندما حملها المعجبون إلى أوروبا وقام فيتزباتريك بإعادة إنتاجها رسما، الأمر الذي شكل قصة مشوقة قائمة بذاتها ستبقى قيد التداول على ألسنة الأجيال الحالمة بالتغيير إلى ما لا نهاية.

البرتو كوردا في سطور

البرتو دياز غوتييريز المعروف باسم البرتو كوردا (14 ديسمبر 1928- 25 مايو 2001) مصور كوبي لمع نجمه من خلال صورة التقطها لأرنستو جيفارا وهو يشاهد جنازة ضحايا العملية الإرهابية التي تعرضت لها السفينة الفرنسية« لو كوبري» على يد وكالة المخابرات المركزية الأميركية(سي آي إيه) في 5 مارس 1960.

تلقى في أربعينات القرن الماضي دروسا في التجارة في مدرسة «كاندلر كولج» و«هافانا بزنس أكاديمي» وكلاهما في هافانا . أسس مع لويس بيرسي (لويس كوردا) استوديوهات كوردا، التي عمل فيها بين عامي 1953 و1968، وقاما فيها بسلسلة من الأعمال التجارية.

على الرغم من أن كوردا كون نفسه بنفسه، إلا أنه تعلم التصوير في البداية مع نيوتن استابيه ومن ثم مع لويس بيرسي. مع انتصار الثورة الكوبية في عام 1959، عمل لصالح الثورة ورافق فيدل كاسترو كمصور في جولات عديدة قام بها الزعيم الكوبي خلال تلك السنوات.

لكن عام 1960 هو الذي بدل مسار حياته، ففي هذه السنة التقط الصورة الشهيرة للثائر البطولي، التي يعتبرها كبار النقاد إحدى أفضل عشر صور التقطت في التاريخ الإنساني، كما أنها تمثل أكثر صورة أعيد إنتاجها في تاريخ الصورة في جميع أرجاء العالم .

كوردا هو الذي أدخل التصوير تحت الماء إلى كوبا، وكرس نفسه في عام 1968 لهذا النوع من التصوير في معهد علم المحيطات التابع لأكاديمية العلوم وهناك قام بتصوير سلسلة الشعب المرجانية الكوبية . وأعماله التصويرية تعرض في صالات العرض الرئيسية في القارة الأوروبية وفي أميركا.

كلمات قالها جيفارا

ولدت في الأرجنتين، وهذا ليس سرا على أحد. وأنا كوبي وكذلك أرجنتيني، وإذا كان أصحاب السيادة والرفعة في أميركا اللاتينية لا يشعرون بالإساءة فإني أشعر بأني مواطن من أميركا اللاتينية أيضا، من أي بلد من بلدان أميركا اللاتينية، التي أنا مستعد في أي لحظة لتقديم حياتي عند الضرورة لتحرير أي منها من دون طلب أي شيء من أحد ومن دون المطالبة بشيء ومن دون استغلال أحد.

تعليقات

تعليقات