أمة قلقة

أمة قلقة

مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور جمال سلامة علي رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناة السويس المصرية، وكاتب ومحلل سياسي خبير في الشؤون السياسية للشرق الأوسط وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي وعضو في عدد من الجمعيات المصرية والبريطانية والأميركية للعلوم السياسية والاجتماعية والقانون الدولي.

ويهدف الكتاب إلى فهم أفضل للسياسة الأميركية من خلال تناول الدور الذي تلعبه المؤسسات والقوى السياسية والدينية، كما يهدف إلى صياغة رؤية متكاملة حول طبيعة نظام الحكم وكيف تدار تلك الإمبراطورية الدستورية التي نعجب أحيانا بنظامها الداخلي ونمقت كثيراً معظم سلوكها الخارجي، فأميركا التي نشيد بها داخلياً هي نفسها أميركا التي نلعنها خارجياً.

ويشير المؤلف في هذا الخصوص في مستهل تناوله لموضوعه إلى قضية خلط الدولة بين قوتها وفضائها والميل إلى الاعتقاد بأنها مختارة من العناية الإلهية أو بحكم التاريخ، لجعل الدول الأخرى تماثلها في نمط العيش لكي تبلغ مرحلة السعادة.

ويذكر أن فقدان الثقة بالذات من أهم الأسباب التي تقود إلى هذا الخلط، الأمر الذي يتطلب،من وجهة نظره، ضرورة اعتراف الولايات المتحدة بسلوكها العدواني تجاه الآخرين إذا كانت تريد تفهم أبعاد تنامي حالة العداء الخارجي تجاهها.

ومن هنا فإن الفهم المتكامل لما يدور على الساحة الأميركية اليوم، حسبما يذكر الدكتور جمال، أمر يحمل في مضمونه استشرافاً أو فهماً أفضل لعالم الغد وقد لا يرد إلى المكانة التي تحتلها الولايات المتحدة اليوم فحسب، بل أيضا لأنه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، نجد أن الأفكار والتغييرات الكبرى التي أعادت صياغة معظم المجتمعات حتى الغربية منها غالبا ما تأتي من وراء الأطلسي.

وعلى ذلك يقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أبواب رئيسية يتناول في الأول منها كافة التفاصيل المتعلقة بالنظام السياسي في الولايات المتحدة، فيما يتناول في الثاني العملية الانتخابية أو النظام الانتخابي ككل، أما الباب الثالث فيتم من خلاله تناول أجنحة اليمين المحافظ.

في استعراضه لنظام الحكم الأميركي يقدم لنا المؤلف بالتفصيل صورة متكاملة لكافة الجوانب المتعلقة بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وخصائص النظام الرئاسي لجهة مسألة الفصل بين السلطات ونظام الضوابط والتوازنات بين السلطات مع تقديم حالات تطبيقية لقاعدة الضوابط والتوازنات.

كما نتابع معه الفيدرالية الأميركية من خلال نظام عمل حكومات الولايات والحكومات المحلية. ويذكر المؤلف في هذا الصدد أن النظام الرئاسي الأميركي هو أول وأهم نظم الحكم الرئاسية الديمقراطي.

ويصنف النظام الأميركي بأنه نظام فيدرالي جمهوري رئاسي دستوري، وتشير الجمهورية إلى شكل الحكم حيث يمتلك الشعب السلطة ويمارسها عبر ممثلين منتخبين بما فيهم الرئيس الأعلى المتحدث باسم الدولة.

فيما تشير الرئاسة إلى تركز المسؤوليات التنفيذية في يد الرئيس الأميركي وتقوم فلسفة النظام الرئاسي على تصور مفاده أن الديمقراطية قد لا تعني فقط مجرد تمثيل الشعب بعدد من النواب يضطلعون بعملية التشريع ومراقبة الحكومة كما هو وضع النظام البرلماني بل تتحقق أيضا عبر إدارة شخص منتخب بإرادة الشعب عبر انتخابات حرة وبموجب هذا فإن الرئيس ينوب عن الشعب في تسيير أمور الدولة مستمدا ولايته من إرادة الشعب.

أما الفيدرالية فتعكس توزيع السلطات على المستوى الإقليمي وهو نظام تتقاسم فيه السلطة حكومة مركزية مع حكومات الولايات. وتشير الدستورية إلى استناد الحكم إلى الدستور الذي هو القانون الأعلى للولايات المتحدة.

أما على صعيد الانتخابات الأميركية، الأمر الذي يعد مهماً في فهم جوانب من سباق الانتخابات الرئاسية الجاري حالياً في الولايات المتحدة، فيقدم لنا المؤلف العديد من الجوانب التي تساعدنا على إدراك طبيعة الآليات التي تحكم هذه العملية، حيث يشير إلى الأسس التي يقوم عليها النظام الانتخابي من حيث حق الانتخاب.

فيذكر أن هذا الحق لم يكن مطلقا لكل أميركي وقد مر هذا الحق بعدة تطورات عبر المراحل المختلفة في تاريخ الولايات المتحدة حتى أصبح حقا عاما وشاملا يتساوى فيه جميع المواطنين. كما يتناول حق الترشح في الانتخابات العامة والقواعد التي تنظم تمويل الحملات الانتخابية وكذا وسائل ونظم التصويت في الانتخابات الأميركية .

أما على صعيد انتخابات الرئاسة ذاتها فيتطرق إلى المرحلة التمهيدية من حيث عملية اختيار مرشح الحزب والدعاية الانتخابية والمناظرات والتي تليها مرحلة الانتخابات العامة. وهنا يشير الدكتور جمال سلامة إلى أن الانتخابات الرئاسية الأميركية لم تعد مجرد منافسة بين أفراد .

أو حتى أحزاب لكنها تطورت بمرور الزمن لتتحول الآن لمنافسة بين مصالح ورجال أعمال للتأثير على القرار السياسي في الولايات المتحدة عبر التبرعات التي تعد أحد أهم مصادر تمويل الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة.

فكل مرشح يحتاج إلى نفقات باهظة ليتمكن من جولاته الانتخابية في ولايات عددها خمسون ولاية، فالدعاية الانتخابية الداخلية بل والخارجية يجب أن تكون مكثفة وأكثر تخصصا وجاذبية كي تفتح للمرشح الباب لدخول البيت الأبيض.

ويذكر المؤلف أنه على خلاف كثير من الديمقراطيات في أوروبا، نجد الانتخابات الأميركية تتمحور حول شخص المرشح أكثر من الحزب الذي يمثله، ويميل المرشحون إلى أن يكونوا مستقلين لا يدينون بنجاحاتهم لمسؤولي الحزب بل لجموع الناخبين.

وأما عن آليات اختيار مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية فيشير المؤلف إلى أنه جرت العادة على ألا يعلن من يرغب في الترشح عن رغبته صراحته قبل أن يستشف توجهات وآراء قادة حزبه، فضلاً عن حسابات القوى وجماعات المصالح التي يمكن أن تدعم ترشيحه وتساهم في تمويل حملته الانتخابية.

ويقدم لنا المؤلف بعض التفصيلات المتعلقة بالمناظرات كوسيلة من وسائل الحملات الانتخابية، فيذكر أنها تلعب دوراً مهماً في العملية الانتخابية وتتناول تلك المناظرات القضايا والموضوعات التي تحظى باهتمام أكبر قطاع من الجمهور الأميركي وعلى رأسها قضايا الاقتصاد والسياسة الداخلية.

كما يقدم لنا المؤلف لمحة عن مرحلة الانتخابات العامة مشيراً إلى أن انتخابات الرئاسة تجرى بأسلوب التصويت غير المباشر بمعنى أنه لا يتم انتخاب رؤساء الولايات المتحدة بشكل مباشر من قبل الشعب، لكن بواسطة مندوبين مختارين من الشعب، حيث وضع الدستور نظام المجمع الانتخابي كبديل للانتخاب بالتصويت المباشر.

ومن هذه النقطة ينقلنا الدكتور سلامة إلى قضية الأحزاب في الولايات المتحدة كاشفاً لنا عن جوانب تبدو مثيرة، مشيراً إلى أن معظم الآباء المؤسسين لأميركا لم يحبذوا فكرة وجود أحزاب سياسية حيث كانت فكرتهم أنه من الأفضل أن يوحد القادة جهودهم من أجل الصالح العام، والبعد عما يمكن أن تؤدي إليه الأحزاب من فرقة.

غير أن ما حدث على أرض الواقع جاء خلافاً لذلك،حيث إنه بعيد إعلان الاستقلال برزت عدة توجهات سياسية تحمل وجهات نظر مختلفة بشأن سبل إدارة البلاد الجديدة على نحو انتهى إلى تبلور الأحزاب.

وعلى الرغم من أن اللعبة الانتخابية منذ ذلك الحين تكاد تكون مقصورة على الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إلا أن ذلك لا ينفي وجود أحزاب أخرى بجانب الحزبين الرئيسيين، فالساحة الأميركية تتلون بخريطة حزبية متنوعة ومتعددة بتعدد توجهات تلك الأحزاب بدءاً من الأحزاب الشيوعية في أقصى اليسار مروراً بأحزاب الوسط، انتهاء بأحزاب اليمين المحافظ والديني، ناهيك عن الأحزاب الفاشية والنازية في أقصى اليمين.

ثم يتطرق المؤلف بعد ذلك، وفي سياق استعراضه لأجنحة اليمين المحافظ، لقضية الدين في المجتمع الأميركي، مستعرضاً البروتستانتية التي يدين بها أغلب الأميركيين والمذاهب المسيحية الأخرى، متطرقاً إلى علاقة البروتستانتية باليهودية حيث رفضت الأولى ما ذهبت إليه الكنيسة الكاثوليكية من القول بعدم وجود ما يسمى بالأمة اليهودية وأعادت طرح فكرة أن اليهود هم شعب الله المختار.

وأن عودتهم إلى أرض فلسطين أمر ضروري لتحقق وعد الله وعودة المسيح وقيام مملكته مدة ألف عام. وفي السياق ذاته يستعرض البروتستانتية البيوريتانية والتي تمثل انشقاقا عن اللوثرية، فالبيوريتانيين هم بروتستانت من أصحاب المذهب الكالفيني نسبة إلى جون كالفن، وقد شكلوا مجموعات كبيرة من المهاجرين الأوروبيين الأوائل إلى أميركا، وساهموا في الفكر الدستوري الديمقراطي وفي الممارسة السياسية في أميركا .

كما يتناول الإنجيلية والمسيحيون الجدد في الولايات المتحدة ومن ذلك الإنجيلية البروتستانتية والإنجيلية السياسية ودورها المتنامي في المجتمع الأميركي، مختتماً هذا الجانب بالتطرق إلى الصهيونية المسيحية. أما على صعيد حركة المحافظين الجدد فمن أجل فهم متكامل للحركة يتناول المؤلف النشأة والمعنى، والأساس الأيديولوجي لها مع تحديد موقعهم بين اليمين واليسار، مفرقا بين المحافظة السياسية والمحافظة الجديدة.

ويقدم لنا المؤلف تطور المحافظين الجدد من خلال استعراض تطور الحركة بين جيلين مقدما لنا نظرة مفصلة عن الجيل الأول، والأزمة التي لحقت به وأدت إلى صعود الجيل الثاني، مع تناول صراع المحافظين مع المؤسسات، وأخيرا يبحث المؤلف عوامل تنامي دور المحافظين الجدد.

وتأتي أهمية تناول هذه الحركة من الأهمية التي باتت تمثلها الحركة والتي تعد واحدة من أهم الحركات الأيديولوجية والسياسية التي برزت بشكل متنام على الساحة الأميركية في العقد الحالي بشكل لا يستطيع أي محلل للسياسة الأميركية أن يتغافل دورها ومدى تأثيراتها على الحياة السياسية الأميركية وانعكاساتها على الساحة الدولية.

*الكتاب: أمة قلقة

*الناشر:دار النهضة العربية - القاهرة 2008

*الصفحات: 679 صفحة من القطع الكبير

ألفت عبدالله

تعليقات

تعليقات